تطالعنا الرواية الفلسفية الشهيرة عندما بكى نيتشه للكاتب إيرفين يالوم، بعبارة نفاذة تقض مضاجع الغفلة الوالدية، وتضع مفهوم الأبوة على محك المساءلة الأخلاقية والفلسفية.
يقول فيها نيتشه على لسان الشخصية: لكي تبني الأطفال عليك أن تبني نفسك أولاً، وإلا فإنك تريد إنجاب أطفال بدافع الاحتياجات الحيوانية، أو بدافع التخلص من الوحدة... إن مهمتك كأب تكمن في ألا تنجب نفسك، بل أن تنجب شيئاً أرقى.
تضعنا هذه المقولة أمام حقيقة غائبة في التدافع اليومي لثقافة التكاثر: هل الأبوة مجرد امتداد بيولوجي غريزي، أم أنها فعل ارتقاء ووعي ومسؤولية؟!
الأبوة من الغريزة إلى الوعي
إن أغلب النماذج النمطية في التربية تقع في فخ "استنساخ الذات"؛ أي أن الأب - دون وعي منه - يسعى إلى إعادة إنتاج أخطائه، وعقده النفسية، وأمنياته الخائبة في صحيفة أولاده، وكأنه يراهم ملحقاً ذاتياً أو أداة لتأكيد وجوده والهروب من وحشته الخاصة.
وهنا تلتقي الرؤية الفلسفية بالنقد التحليلي النفسي: إن من لم يكتمل بناء روحه وعقله، سيمارس التربية بوصفها "تجليداً للآباء على أجساد الأبناء".
غير أن بناء الطفل - كما تتطلب الفلسفة الواعية - يستلزم ابتداءً "ترميم الوالد".
فلا يمكن لفاقد الشفاء النفسي أن يهب السلام، ولا يصح لمن غرق في عتمة الجهل والخوف أن يطلب من ولده أن يكون قبساً من نور.
الأبوة الحقيقية ليست "تكراراً للماضي"، بل هي قفزة نحو المستقبل، ومشروع لإنجاب نموذج أكثر نضجاً، وأكثر تحرراً، وأكثر رقيّاً من الذات الوالدية نفسها.
التأصيل الديني والمقاصدي لتربية الذات أولاً
إذا كانت الفلسفة الغربية تشخص الأزمة وتضع شرط "بناء الذات"، فإن الرؤية الإسلامية والمقاصدية توفر لهذه القيمة متكأً إيمانياً عميقاً يرفعها من خانة التحرر الفردي إلى مستوى "التكليف والاستخلاف".
لقد جعل القرآن الكريم إصلاح الوالد شرطاً وسبباً لإصلاح الولد وحفظه؛ فتأمل قول الله تعالى في سورة الكهف:
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنَزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا "الكهف: 82"
صلاح الأب وبناؤه النفسي والإيماني كان الحارس الذاتي لرمزية "الكنز".
فالوالد المسكون بالتزكية والاستقامة يورث أبناءه البيئة والمعدن، لا العقد والشروخ.
كما يضع الرسول الكريم ﴿ﷺ﴾ القاعدة المباشرة لبناء الذات وتأثيرها على الرعية في قوله:
"كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (متفق عليه)
والرعاية هنا لا تقتصر على الإنفاق المادي والمطعم والمشرب - وهي الاحتياجات الحيوية التي تشترك فيها الكائنات كافة- بل تعني "الولاء التربوي والروحي" الذي يتطلب مراقبة الراعي لنفسه أولاً؛ إذ كيف يزكي الراعي رعيته وهو غارق في شتاته؟
وفي الأدعية القرآنية المعبرة عن طموح الآباء، لا نجد طلباً لامتداد الذات وشكلها، بل نجد رغبة في الإنجاب الأرقى والأتقى:
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان: 74).
إن طلب "إمامة المتقين" يقتضي رفع السقف، والاجتهاد لتنشئة جيل أفضل من جيلنا، يسبقنا في الفهم والحضارة والتقوى، وهو تماماً ما رمى إليه المعنى الفلسفي: "ألا تنجب نفسك، بل أن تنجب شيئاً أرقى".
نحو أبوة استخلافية راقية
إن المهمة الحقيقية للتربية في عصرنا المعقد لم تعد مجرد إعادة توريث المفاهيم وتكرار أنفسنا في أطفالنا؛ بل هي عملية تخلٍّ عن الأنانية الوالدية.
تتطلب الأبوة الشجاعة أن يعالج الأب جراحه القديمة كي لا يورثها لأبنائه، وأن يتعلم كيف يضع للبناء أساساً متيناً من الوعي والحكمة، ليكون الطفل نتاج رغبة واعية في إضافة قيمة جديدة للحياة والمجتمع، لا مجرد ملء لخلاء نفسي أو استجابة لغريزة عابرة.
حين يبني الأب نفسه أولاً، يتحول البيت من ساحة لإعادة إنتاج الأزمات إلى "صرح لإنجاب ما هو أرقى وأجمل".
ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: ترميم الوالد قبل بناء الولد.. فلسفة الأبوة بين نيتشه ومقاصد الاستخلاف
تطالعنا الرواية الفلسفية الشهيرة عندما بكى نيتشه للكاتب إيرفين يالوم، بعبارة نفاذة تقض مضاجع الغفلة الوالدية صدى البلد : المصدر ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: ترميم الوالد قبل بناء الولد.. فلسفة الأبوة بين نيتشه ومقاصد الاستخلاف
صدى البلد
صدى البلد
قراءة 3 دقيقة