هناك انتقام يحدث على الشاشة، وانتقام آخر يحدث داخل المشاهد. وبين الاثنين، تتكشف منطقة شديدة الحساسية من النفس البشرية؛ تلك التي تحتفظ بوجع قديم، وتنتظر لحظة إنصاف، وتجد في سقوط من تسبب في الألم راحة يصعب على النفس الاعتراف بها.
في «طالع نازل»، كانت نورا تتحرك، وكنا نترقب. كانت ترتب خطواتها، وكنا ننتظر نتائجها. وكلما اهتز عالم علي، شعر جزء منا بأن ميزانًا مختلًا يستعيد توازنه.
بدأت الحكاية بخيانة، ثم أيقظت لدى بعض المشاهدين رغبة في رد الاعتبار. وهنا تكمن واحدة من أكثر المناطق إثارة في المسلسل؛ نورا كانت تنتقم من شخص واحد، بينما كان بعض المشاهدين ينتقمون معها من خياناتهم وقصصهم الخاصة.
كل واحد دخل الحكاية بذاكرته، وبما اختبره من ثقة وخذلان، فوجد بعض المشاهدين في انتقام نورا استجابة لرغبة قديمة في الإنصاف. وهكذا تجاوزت الحكاية حدود الصراع بين زوجين، وأصبحت مساحة تتقاطع فيها تجربة المشاهدة مع التجارب الشخصية للمتلقين. ومن هذا التقاطع قد ينشأ التماهي (Identification)؛ حين يتبنى بعض المشاهدين منظور نورا، ويشاركونها توترها وترقبها، فيجدون في انتصارها الدرامي مصدرًا لرضا يتجاوز حدود الشاشة.
تجرح الخيانة صاحبها مرة، أما الرغبة في الانتقام فتمنحه فرصة متخيلة لتغيير نهاية الحكاية. وهذه بالتحديد هي المساحة التي راهن عليها «طالع نازل»؛ فمن التعاطف بدأ الطريق إلى التواطؤ.
في البداية، وضعتنا الحكاية بالقرب من نورا. رأينا امرأة ساهمت في صناعة نجاح زوجها، ثم وجدت نفسها أمام خيانة هزت صورتها عن زواجها، وعن السنوات التي استثمرتها فيه، وعن حلم الأمومة الذي خسرته داخل تلك العلاقة.
كان التعاطف معها مدخلًا طبيعيًا إلى الأحداث. لكن مع تطور الصراع، أخذ هذا التعاطف شكلًا آخر. فأصبحنا ننتظر خطوتها التالية، ونراقب أثرها في علي، ونتعامل مع ارتباكه بوصفه جزءًا من استعادة نورا لقوتها.
هنا ينتقل المشاهد من موقع المتأثر بالألم إلى موقع المترقب للعقاب.
ويوظف العمل المفارقة الدرامية (Dramatic Irony) القائمة على التفاوت المعرفي؛ فنحن نعرف ما تدبره نورا، بينما يتحرك علي وسط المفاجآت والشكوك. ومن هذه المسافة يتولد التشويق، ويتسلل إلى بعض المشاهدين إحساس خفي بالمشاركة في اللعبة، حتى يصبح انتظار نتائج الانتقام جزءًا من متعة المشاهدة. فنحن نعرف، وننتظر، ونتوقع، وربما نستعجل الضربة التالية.
وهنا تتجلى إحدى أكثر آليات التلقي إثارة؛ إذ يمكن أن يتحول المشاهد من مراقب للأحداث إلى شريك وجداني في الانتقام، يعيش لذة ترقب العقاب من موقع آمن بعيدًا عن عواقبه.
ولكن، هل يمنحنا الألم حق القسوة والانتقام؟
وتبرز هنا إحدى أكثر إشكاليات المسلسل تعقيدًا؛ العلاقة بين التعاطف والعدالة.
نحن نميل إلى مساندة الشخص المجروح، ثم نمنحه تدريجيًا مساحة أوسع من التسامح مع أفعاله. وكلما اشتد إحساسنا بحجم الخيانة، ازدادت قدرتنا على تفهم القسوة التي تصدر عن ضحيتها. وفي هذه اللحظة تختلط الرغبة في الإنصاف بالرغبة في رؤية الطرف الآخر يتألم.
وهنا تظهر آلية التبرير الأخلاقي (Moral Justification)؛ حين يتحول ألم الضحية في وعينا إلى مسوغ لقسوتها، وتصبح رغبتنا في إنصافها أقوى من قدرتنا على مساءلة أفعالها.
وتكتسب رحلة نورا قوتها من هذا الالتباس. فهي تتحرك بين امرأة تسعى إلى استعادة كرامتها، وشخصية تتذوق القدرة على التحكم في مصير من خذلها. وكل خطوة جديدة تضع أمامنا صورتين متداخلتين؛ امرأة تستعيد قوتها، وامرأة تمنح جرحها سلطة متزايدة على قراراتها.
فالانتقام يمنح صاحبه شعورًا سريعًا بالقوة، لكنه قد يربط مستقبله بالشخص الذي تسبب في ألمه.
وهنا تتجاوز شخصية نورا حدود الزوجة المخدوعة، لتصبح نموذجًا إنسانيًا لعلاقة معقدة بين الجرح والسيطرة. فالإنسان قد يظن أنه يسترد حياته عندما يتمكن من إيلام من أوجعه، بينما يظل جزء كبير من وقته وتفكيره ومشاعره معلقًا بذلك الشخص.
ويحمل عنوان المسلسل دلالة تتجاوز تقلبات الحياة الزوجية. ففي صعود نورا وهبوط علي حركة درامية تستمد قوتها من انتقال السيطرة بين الطرفين. النجاح المهني، والسمعة، والثقة، والاستقرار النفسي؛ كلها تتحول إلى مساحات للصراع.
والمفارقة أن نورا التي شاركت في صناعة صورة علي الناجحة أصبحت تملك معرفة دقيقة بمواطن ضعفه. وهكذا تتحول سنوات القرب إلى مخزون من المعلومات، وتصبح المعرفة التي قامت عليها الشراكة الزوجية أداة لإدارة المواجهة.
وتتجلى خصوصية هذا الصراع حين يمتد الانتقام إلى عالم علي الموسيقي؛ فالمجال الذي صنع شهرته ومكانته يتحول بدوره إلى ساحة للتهديد والاضطراب. وهنا يتداخل النفوذ داخل العلاقة الزوجية مع النفوذ المهني، وتصبح المعرفة الحميمة بالشريك وسيلة للتأثير في عالمه الخاص والعام. وفي هذا التحول تكمن قسوة خاصة؛ فالشخص الأقرب إلينا يمتلك أحيانًا القدرة الأكبر على إصابتنا في مواضع يصعب على الغرباء الوصول إليها.
ومع كل صعود وهبوط، يدفعنا المسلسل إلى إعادة توزيع تعاطفنا، واختبار الحدود الفاصلة بين استعادة الحق والرغبة في السيطرة.
ربما كان أحد أسرار تعلق بعض المشاهدين بحكاية نورا هو ذلك الشعور المألوف الذي يوقظه الانتقام؛ إحساس الإنسان بأنه يستحق نهاية أكثر عدلًا من النهاية التي حصل عليها.
ففي داخل الإنسان ميل إلى رؤية الموازين وهي تستعيد توازنها، وشعور بالارتياح حين يذوق المتسبب في الألم شيئًا من الوجع الذي تركه وراءه. وفي الحكايات الدرامية نجد فرصة لمعايشة هذا الشعور عبر الخيال، بعيدًا عن التجربة المباشرة وعواقبها. ولهذا تبدو بعض لحظات انتقام نورا مُرضية على المستوى العاطفي، حتى حين تستحق أفعالها مساءلة أخلاقية.
وهنا تبرز قيمة القراءة النقدية للمسلسل؛ في المسافة بين الاستجابة العاطفية للحكاية والتأمل الواعي فيما تفعله الشخصيات. فقد نتعاطف مع نورا ونختلف معها في الوقت نفسه. وقد نشعر بالرضا أمام سقوط علي، ثم نكتشف أن هذا الرضا يكشف شيئًا عن جراحنا الخاصة بقدر ما يكشف عن شخصيته.
لقد دخلنا «طالع نازل» نتابع خيانة زوجية، ثم وجدنا أنفسنا أمام علاقتنا الشخصية بالخذلان والعقاب. وهذا ما يجعل حكايات الانتقام قادرة على عبور الشاشة والوصول إلى مناطق شديدة الخصوصية في حياة الجمهور.
وتكشف رحلة نورا، في مسارها الدرامي حتى الآن، عن حقيقة إنسانية تستحق التأمل؛ قد يبدأ الانتقام طلبًا للعدالة، ثم يتحول إلى علاقة جديدة مع الألم، يمنح فيها المجروح من خذله حضورًا متواصلًا في حياته.
كانت نورا تبحث عن رد اعتبارها، ووجد بعضنا في انتقامها صدى لإنصاف انتظره طويلًا.
ولهذا انتقمت نورا على الشاشة، وانتقمنا نحن معها في الخيال.
منال الشرقاوي تكتب: «طالع نازل».. نورا لم تنتقم وحدها.. نحن انتقمنا معها
هناك انتقام يحدث على الشاشة، وانتقام آخر يحدث داخل المشاهد. وبين الاثنين، تتكشف منطقة شديدة الحساسية من النفس البشرية؛ تلك التي تحتفظ بوجع قديم صدى البلد : المصدر منال الشرقاوي تكتب: «طالع نازل».. نورا لم تنتقم وحدها.. نحن انتقمنا معها
صدى البلد
صدى البلد
قراءة 5 دقيقة