بين ألواح طينية حملت مراسلات الملوك والحكام، ونقوش صخرية سجلت حدود واحدة من أقدم العواصم المصرية، تحتفظ محافظة المنيا بكنوز أثرية تحكي فصولًا استثنائية من تاريخ الحضارة المصرية القديمة، وتكشف عن جوانب متقدمة من الحياة السياسية والدبلوماسية قبل آلاف السنين، إذ شهدت أرضها ميلاد ما يمكن وصفه بأقدم حقيبة دبلوماسية في العالم، إلى جانب واحدة من أقدم محاولات ترسيم الحدود المعروفة للبشرية.
وتأتي رسائل تل العمارنة في مقدمة هذه الكنوز، إذ تضم مجموعة من الألواح الطينية المكتوبة باللغة الأكدية (البابلية) وبالخط المسماري، عُثر عليها في مدينة أخت آتون (تل العمارنة حاليًا)، العاصمة التي أنشأها الملك إخناتون بمحافظة المنيا خلال عصر الدولة الحديثة.
اقرأ أيضًا: شباب الزمالك لا يستغلون الفرصة.. إسلام صادق يعلق على السقوط أمام دجلة
ويبلغ عدد هذه الألواح نحو 382 لوحًا طينيًا، تتكون في معظمها من مراسلات دبلوماسية متبادلة بين ملوك مصر وحكام الممالك والدول المجاورة، تناولت العلاقات السياسية والتحالفات والشؤون الخارجية، وهو ما يمنحها أهمية تاريخية استثنائية باعتبارها أرشيفًا دبلوماسيًا يكشف طبيعة العلاقات الدولية في العالم القديم، حتى أُطلق عليها وصف "أول حقيبة دبلوماسية في العالم".
وجاء اكتشاف هذه الرسائل بمحض الصدفة عام 1885، عندما عثرت إحدى فلاحات قرية تل العمارنة على عدد من الألواح الطينية، قبل أن تتواصل أعمال الكشف الأثري، ويتمكن عالم الآثار البريطاني فلندرز بتري خلال عامي 1891 و1892 من الكشف عن أجزاء من الأرشيف الملكي والعثور على المزيد من هذه الألواح، لتبدأ رحلة عالمية للكشف عن أسرار المراسلات الملكية في مصر القديمة.
لوحات إخناتون.. أقدم وثائق ترسيم الحدود
وعلى مقربة من هذه الرسائل التاريخية، تقف لوحات الملك إخناتون الحدودية شاهدة على جانب آخر من عبقرية المصري القديم، إذ يعود تاريخها إلى نحو 3300 عام، عندما أمر الملك إخناتون بنقشها في الجبال المحيطة بمدينة "أخت آتون"، عقب اتخاذها عاصمة جديدة لمصر بدلًا من طيبة، ليؤكد من خلالها حدود مدينته ويخلد أسباب اختيارها وتأسيسها.
وتُعد هذه اللوحات من أبرز الشواهد الأثرية المرتبطة بتحديد حدود المدن في العالم القديم، وحرص إخناتون على ترسيم حدود عاصمته الجديدة من خلال 14 لوحة نُحتت في الصخور، منها 11 لوحة في الجبل الشرقي بمنطقة تل العمارنة والحاج قنديل، و3 لوحات في الجبل الغربي ناحية تونا الجبل، في مشهد يعكس مدى اهتمام الملك بتثبيت هوية مدينته وتوثيق تأسيسها.
ولم تكن اللوحات مجرد علامات لتحديد النطاق الجغرافي للمدينة، بل حملت نصوصًا تأسيسية وتفاصيل دينية وسياسية مهمة، إذ تضمنت قسمًا للملك إخناتون يؤكد فيه تمسكه بمدينته وعدم مغادرتها، واستمراره في نشر عقيدته الدينية الجديدة القائمة على عبادة الإله آتون، الذي اتخذه رمزًا دينيًا رئيسيًا، في محاولة للابتعاد عن نفوذ كهنة آمون وصراعاتهم الدينية في طيبة.
كما تضمنت النقوش مشاهد للملك إخناتون وزوجته الملكة نفرتيتي وهما يتعبدان لآتون ويقدمان القرابين، إلى جانب مشاهد لبناتهما، فضلًا عن تصوير قرص الشمس الذي تنطلق منه الأشعة وتنتهي بأيدٍ بشرية، في رمزية تعبر عن منح الحياة والنور والطاقة والخير للبشر.
وتظل رسائل تل العمارنة ولوحات إخناتون الحدودية من أبرز الشواهد التي تمنح المنيا مكانة مميزة على خريطة السياحة الأثرية، فبين أرشيف يحكي طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين الممالك قبل آلاف السنين، ونقوش صخرية توثق تأسيس عاصمة دينية وسياسية جديدة، تقدم أرض المحافظة صفحات نادرة من تاريخ الإنسانية، وتجعل من تل العمارنة وتونا الجبل محطتين مهمتين لكل المهتمين بالحضارة المصرية القديمة.