حظيت العلاقة بين الإبداع والصحة النفسية باهتمام العديد من علماء النفس على مدى العقود الماضية، وقد وجدت بعض الدراسات السابقة أن الإبداع يرتبط أحيانًا بمشاكل الصحة النفسية، بينما توصلت دراسات أخرى إلى نتائج متضاربة أو غير متسقة.

لهذا السبب، شرع باحثون من معهد ماكس بلانك لعلم الجمال التجريبي بألمانيا، ومعهد كارولينسكا السويدى، ومؤسسات أخرى، مؤخرًا في استكشاف العلاقة بين الإبداع والصحة النفسية بشكل أعمق، وذلك من خلال تحليل نتائج استبيانات جُمعت من آلاف التوائم المقيمين في السويد.

اقرأ أيضًا: أحمد صبري: مصر تستطيع الضغط على منصات التواصل بحجم سوقها وعدد مستخدميها

وبحسب موقع "Medical xpress"، وتشير نتائجهم، المنشورة في مجلة الطب النفسي الجزيئي ، إلى أن هذه العلاقة تتأثر بشكل كبير بكيفية قياس الإبداع، وهو ما قد يفسر سبب توصل الدراسات السابقة إلى استنتاجات متضاربة.

العلاقة بين العبقرية و الجنون

"هناك فكرة راسخة مفادها أن العبقرية والجنون يسيران جنباً إلى جنب، لا سيما في المجالات الإبداعية، حيث يُعتقد أن العديد من الفنانين المشهورين عانوا من مشاكل في الصحة العقلية"، هذا ما قالته ميريام موسينغ، المؤلفة المشاركة الرئيسية للورقة البحثية.

وأضافت: "مع ذلك، لا تزال الأدلة التجريبية على هذه العلاقة متضاربة، ولقد فحصنا هذه المسألة لأول مرة باستخدام مجموعة بيانات شاملة للغاية، تجمع بين البيانات الطولية والبيانات الجينية مع مؤشرات متعددة للإبداع ومقاييس الصحة العقلية المبلغ عنها ذاتيًا والقائمة على السجلات."

تحليل البيانات التي تم جمعها من آلاف التوائم السويديين

قامت موسينغ وزملاؤها بتحليل البيانات التي جُمعت كجزء من دراستين استقصائيتين، أُجريتا في عامي 2012-2013 و2022-2023 على التوالي، وقد جُمعت هذه البيانات من 14,658 توأماً يعيشون في السويد، شارك منهم 6,419 في الدراستين الاستقصائيتين.

قيّمت الاستبيانات إنجازات التوأم في مجالات فنية متنوعة، تشمل الموسيقى والكتابة والرقص والمسرح والفنون البصرية، بالإضافة إلى العلوم والاختراع، كما طلبت الاستبيانات من المشاركين الإبلاغ عن وظائفهم وأعراضهم النفسية، وقيمت مدى انفتاحهم على التجارب.

كما قيّم الاستطلاع الثاني قدرة المشاركين على التفكير الإبداعي، أي قدرتهم على ابتكار أفكار أو حلول مختلفة عند مواجهة مشكلة ما. وبالتحديد، طُلب من المشاركين تسمية عشر كلمات مختلفة المعنى قدر الإمكان.

أوضح موسينغ قائلاً: "بدأنا بدراسة العلاقة الطولية بين الإبداع والصحة النفسية، أو بعبارة أبسط، ما إذا كان الإبداع المبكر يتنبأ بالصحة النفسية اللاحقة، وما إذا كانت الصحة النفسية المبكرة تتنبأ بالإبداع اللاحق، كما فحصنا هذه العلاقة لدى التوائم المتطابقة الذين يتشاركون جميع الجينات تقريبًا وبيئة التنشئة، لاختبار ما إذا كانت هذه العلاقة ستظل قائمة بعد استبعاد التأثيرات الجينية والبيئية المشتركة بين كل زوج من التوائم المتطابقة."

في تحليلاتهم، نظر الباحثون في الاختلافات في الإبداع، وأعراض الصحة النفسية المبلغ عنها ذاتيًا، والتشخيصات النفسية المسجلة في السجلات الطبية السويدية لدى التوائم المتطابقة، كذاك قاس الباحثون الإبداع في كل من المجالين الفني والعلمي، مع النظر أيضًا في مهن المشاركين، وانفتاحهم على التجارب، ونتائجهم في اختبار التفكير التباعدي.

علاقة معقدة تتجاوز السبب والنتيجة

وجد الباحثون أن الإبداع الفني لدى التوأم السويدي مرتبط بتدهور الصحة النفسية، أما الإبداع العلمي، من ناحية أخرى، فلم يرتبط بشكل كبير بمعظم حالات الصحة النفسية، إذ ارتبطت بعض المؤشرات فقط بانخفاض حدة هذه المشكلات.

"وجدنا أن ارتفاع مستوى الإبداع الفني يرتبط بزيادة طفيفة في مشاكل الصحة النفسية، وتلعب الجينات دورًا هامًا في هذه العلاقة"، كما أوضح شيا، مضيفا: "هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم كيفية ارتباط الإبداع الفني بالصحة النفسية، ورغم أن دراستنا أشارت إلى أهمية الجينات، إلا أن هذا لا يعني أن البيئة ليست مهمة. لذلك، ما زلنا بحاجة إلى البحث عن تفسيرات أخرى لهذه العلاقة."

وجد الباحثون أن العوامل الوراثية الموروثة لدى التوائم، والمشتركة بين السمات المدروسة، ساهمت في الارتباطات التي لاحظوها، كما لاحظوا أن أعراض الاكتئاب المبكرة تنبئ بانفتاح أكبر على التجارب في مرحلة لاحقة، حتى عند المقارنة بين التوائم المتطابقة، ويشير هذا إلى وجود علاقة سببية محتملة بين أعراض الاكتئاب والانفتاح، مع الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد ذلك.

بشكل عام، تشير نتائج الفريق إلى أن الأبحاث التي تركز على العلاقة بين الإبداع والصحة النفسية لا ينبغي أن تتعامل مع جميع الميول الإبداعية بنفس الطريقة، وذلك لأن الجمع بين أشكال مختلفة من الإبداع، مثل الإبداع الفني والعلمي، قد يحجب الفروق الجوهرية بينهما.

وأضاف موسينغ: "يحتاج دور الجينات في العلاقة التي لاحظناها إلى مزيد من البحث، وكجزء من الأبحاث المستقبلية، نحتاج إلى معرفة أي الجينات، ومن خلال أي آليات، تقود العلاقة بين الإبداع الفني والصحة العقلية."