لم يكن خيسوس دي ميجيل من اللاعبين الذين صنعت لهم كرة القدم طريقا سهلا نحو النجومية ولم يحصل على فرصته مبكرا وسط الأضواء بل احتاج إلى سنوات طويلة من العمل والتنقل بين الأندية الإسبانية حتى ينجح في إثبات قدراته ويصل إلى المكانة التي طالما حلم بها.

لكن القدر لم يمنحه الوقت الكافي للاستمتاع بما حققه بعدما انتهت رحلته بصورة مأساوية إثر اصطدام خلال مواجهة فريقه تينيريفي أمام أندورا .

اقرأ أيضًا: محافظ الغربية يتابع حملات الرقابة على المخابز المدعمة بقرى الأنبوطين وبقلولة وأشناواي بالسنطة.. وتحرير 47 محضرًا بمخالفات تموينية متنوعة

وراء اسم المهاجم الإسباني قصة لاعب لم يستسلم لطول الطريق وخاض تجارب عديدة في الدرجات الأدنى وانتظر فرصته الحقيقية موسما بعد الآخر قبل أن يجد في تينيريفي المحطة التي منحته الاستقرار والتقدير ويصبح أحد العناصر المؤثرة في مشروع الفريق بعدما ساهم في عودته إلى دوري الدرجة الثانية الإسباني.

وبين بداية متواضعة في ملاعب الدرجة الثالثة وتألق لافت مع كاستيون ثم نجاحه مع تينيريفي رسم دي ميجيل مسيرة عنوانها الإصرار قبل أن تتحول حكايته إلى واحدة من أكثر القصص إيلاما في كرة القدم الإسبانية.

البداية من مدريد.. رحلة طويلة بحثا عن الاعتراف

ولد خيسوس دي ميجيل في العاصمة الإسبانية مدريد يوم 21 سبتمبر 1996 وكان يشغل مركز رأس الحربة مستفيدا من بنيته الجسدية القوية وطوله الذي يصل إلى 1.90 متر وهي مقومات منحته حضورا واضحا داخل منطقة الجزاء وقدرة على الاحتفاظ بالكرة واللعب بظهره للمرمى.

لكن امتلاك المواصفات البدنية والفنية لم يكن كافيا لفتح أبواب النجومية أمامه إذ بدأ مشواره في مستويات بعيدة عن دائرة الضوء واضطر إلى خوض تجارب متعددة حتى يجد الفريق الذي يمنحه الثقة والاستمرارية.

وكانت انطلاقته في دوري الدرجة الثالثة الإسباني مع ليغانيس خلال موسم 2017-2018 عندما شارك في 35 مباراة بين منافسات الدوري والملحق المؤهل ونجح في تسجيل 9 أهداف ليقدم مؤشرات أولية على قدرته التهديفية.

وبعدها انتقل إلى فوينلابرادا حيث خاض أولى تجاربه في دوري الدرجة الثانية (ب) قبل أن يخرج على سبيل الإعارة إلى أونيون أدارفي ثم انتقل إلى نافالكارنيرو وهي المحطة التي بدأ خلالها استعادة حضوره الهجومي بصورة أوضح.

ومع نافالكارنيرو سجل دي ميجيل 11 هدفا خلال 27 مباراة وكان له دور بارز في مشوار الفريق بعدما أحرز هدفا في نهائي ملحق الصعود أمام ألكوركون الرديف ليؤكد أنه يمتلك القدرة على صناعة الفارق في المواجهات الحاسمة.

يونيونيستاس سالامانكا.. اللحظة التي غيرت مسيرته

لم تكن السنوات الأولى من مسيرة دي ميجيل مستقرة لكنه واصل البحث عن فرصة جديدة وانتقل خلال موسم 2020-2021 إلى يونيونيستاس سالامانكا حيث خاض 17 مباراة سجل خلالها 4 أهداف وصنع هدفا آخر.

واحتاج المهاجم الإسباني إلى بعض الوقت حتى يفرض نفسه داخل الفريق لكنه نجح تدريجيا في انتزاع مكان أساسي وبدأت قدراته الهجومية تظهر بصورة أكثر وضوحا.

وجاءت واحدة من أبرز لحظاته في 26 يناير 2022 عندما قاد يونيونيستاس سالامانكا للفوز على إنترناسيونال مدريد بهدفين دون رد بعدما سجل هدفا وصنع الآخر في مباراة كشفت عن قدرته على التأثير في نتائج فريقه وليس مجرد الوجود داخل منطقة الجزاء.

وأنهى موسمه الأول مع الفريق بحصيلة مميزة بعدما شارك في 38 مباراة بالدوري والكأس وأسهم في 16 هدفا بتسجيل 12 هدفا وصناعة 4 أخرى ليبدأ اسمه في الخروج من دائرة الأندية التي اعتاد التنقل بينها ويلفت انتباه فرق تبحث عن مهاجم قادر على تقديم إضافة هجومية حقيقية.

كاستيون.. من لاعب يبحث عن الفرصة إلى مهاجم يصنع الفارق

كانت محطة كاستيون نقطة تحول رئيسية في مسيرة خيسوس دي ميجيل بعدما انضم إلى الفريق في يناير 2023 ليبدأ مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي بعيدا عن التنقل المستمر الذي طبع سنواته الأولى.

وفي كاستيون وجد المهاجم الإسباني البيئة التي احتاج إليها لإظهار قدراته وحصل على مساحة أكبر للمشاركة وتحول تدريجيا إلى أحد أهم العناصر الهجومية بالفريق.

وخلال موسمين ونصف الموسم خاض دي ميجيل 88 مباراة بقميص كاستيون وسجل 25 هدفا لكن موسمه الأبرز كان 2023-2024 عندما أحرز 16 هدفا وصنع 6 أخرى خلال 38 مباراة ليصبح أحد أبرز نجوم الفريق.

ولم تقتصر أهمية تلك الأرقام على الجانب الفردي إذ ساهم المهاجم بصورة مباشرة في صعود كاستيون إلى دوري الدرجة الثانية محققا واحدة من أهم محطات مسيرته بعدما نجح في الانتقال من لاعب يبحث عن إثبات نفسه إلى عنصر مؤثر في مشروع صعود فريقه.

وكان ذلك الصعود بمثابة مكافأة مستحقة لسنوات من العمل وفرصة جديدة للظهور في مستوى أعلى بعدما أثبت أن قدراته التهديفية قادرة على صناعة الفارق في سباق المنافسة.

تينيريفي.. المحطة التي منحته المكانة التي انتظرها

في يوليو 2025 انتقل دي ميجيل إلى تينيريفي ليبدأ تجربة جديدة حملت معها تحديا مختلفا لكنه سرعان ما أصبح أحد العناصر المهمة في الفريق وأسهم بـ11 هدفا خلال موسم صعوده ليشارك في تحقيق العودة إلى دوري الدرجة الثانية.

وكان المهاجم المعروف بين زملائه بلقب «ديمي» من أبرز أسباب نجاح تينيريفي خلال الموسم الماضي خصوصا في النصف الأول عندما قدم مستويات هجومية لافتة وسجل 10 أهداف في عدد قليل من المباريات.

لكن الإصابة أبعدته عن المشاركة بصورة منتظمة وأوقفت اندفاعته في توقيت مهم ليبدأ رحلة جديدة من أجل استعادة جاهزيته ومكانه داخل الفريق.

ورغم أن اسمه لم يكن ضمن الخطط الأولية لتينيريفي قبل انطلاق الموسم الحالي فإن مستواه السابق جذب اهتمام عدد من الأندية وكان ريال سرقسطة من بين الفرق التي أبدت رغبتها في ضمه وتقدم بعرض مالي خلال فترة الانتقالات الصيفية.

لكن دي ميجيل اختار البقاء ورفض فتح صفحة جديدة مع فريق آخر مفضلا خوض التحدي داخل تينيريفي والقتال من أجل استعادة مكانته بعدما شعر بأن الفريق أصبح المحطة التي يمكنه من خلالها مواصلة التطور وإثبات قدراته.

وكان قراره مؤشرا على ارتباطه بالمشروع الرياضي للفريق ورغبته في رد الثقة التي حصل عليها خصوصا بعدما أصبح أحد العناصر التي يعول عليها النادي في مشواره.

لاعب هادئ.. وقيمة أكبر من الأهداف

بعيدا عن الأرقام والمساهمات التهديفية كان دي ميجيل يحظى بتقدير زملائه داخل غرفة الملابس رغم طبيعته الهادئة والانطوائية ولم يكن من اللاعبين الذين يبحثون عن الأضواء خارج الملعب.

لكن حضوره داخل الفريق كان واضحا بعدما عرفه زملاؤه لاعبا ملتزما بذل جهدا كبيرا حتى يصل إلى المستوى الذي بلغه ولم يتخل عن محاولاته رغم تعدد المحطات وصعوبة الطريق.

وتكمن خصوصية حكايته في أن النجاح لم يأت إليه مبكرا بل احتاج إلى سنوات من الانتظار والعمل حتى وجد أخيرا المكان الذي يشعر فيه بالتقدير والاستقرار وبدأ يحصد نتائج ما قدمه طوال مسيرته.

وكان بإمكان دي ميجيل أن يبدأ مرحلة جديدة مع ريال سرقسطة أو أحد الأندية المهتمة بخدماته لكنه اختار البقاء في تينيريفي متمسكا بفرصة مواصلة مشواره مع الفريق الذي وجد فيه نفسه.

نهاية مأساوية في اللحظة التي بدأ فيها الحلم يكتمل

لم يكن دي ميجيل قد وصل إلى نهاية طموحاته الكروية بل كان لا يزال في مرحلة مهمة من مسيرته بعدما تجاوز سنوات التنقل بين الأندية ونجح في إثبات نفسه على مستوى أعلى وأصبح أحد الأسماء المؤثرة في تينيريفي.

لكن المواجهة أمام أندورا الثلاثاء تحولت إلى محطة مأساوية في حكايته بعدما تعرض لاصطدام أنهى رحلته بصورة صادمة لتتوقف مسيرة لاعب ظل يقاتل لسنوات حتى يصل إلى المكانة التي يستحقها.

وتبدو مأساة دي ميجيل أكثر قسوة عندما توضع إلى جوار تفاصيل رحلته؛ فالمهاجم الذي بدأ من الدرجات الأدنى وانتظر فرصته طويلا ورفض الرحيل عن تينيريفي رغم العروض كان قد وجد أخيرا الاستقرار الذي افتقده في بداياته.

لم يكن خيسوس دي ميجيل مجرد مهاجم سجل الأهداف وساهم في صعود فريقه بل كان نموذجا للاعب صنع طريقه بالصبر والعمل ولم يتوقف عن المحاولة حتى فرض اسمه في الملاعب الإسبانية. ولهذا فإن حكايته ستظل مرتبطة برحلة كفاح طويلة وبنهاية مؤلمة جاءت قبل أن يحصل على الوقت الذي يستحقه لمواصلة الحلم.