لم يكن مصطلح «البلاك فريداي»، حين ولادته الأولى خلال ستينيات القرن الماضي بمدينة فيلادلفيا الأمريكية، سوى وصفٍ استحدثه رجال المرور هناك، تعبيراً عن تذمرهم من نوبات العمل المضاعفة والاختناقات العابثة التي خلّفها تدفق حشود المستهلكين في اليوم التالي لعيد الشكر. غير أن صناع التجارة سرعان ما التقطوا الاسم وأعادوا صياغة دلالته ليخدم مصالحهم؛ فبدلاً من ربطه بفوضى الطرقات، روجوا له بوصفه يوم التحول في أرقامهم البيعية من اللون الأحمر الذي يعبّر عن خسائر العام، إلى الحبر الأسود الذي يرمز لنشاطهم المتصاعد وتنفس دفاترهم المالية الصعداء بجني الأرباح وسداد الديون.
ومن تلك البقعة، تمددت الظاهرة لتتحول في عصرنا الرقمي إلى ماراثون استهلاكي عالمي تجسده مواسم التخفيضات الكبرى، حيث يتقاسم المشهد العربي مسميان يتوارثان الحضور؛ فبينما يتمسك التجار والمنصات الكبرى بمصطلح «الجمعة البيضاء» واجهةً إعلانية تستميل الوجدان الديني والثقافي وتربط الموسم بالخير والبركة، يظل مصطلح «الجمعة السوداء» نافذاً عبر العلامات العالمية وألسنة الجيل الجديد باعتباره الأصل المترجم عن صخب الخصومات، حيث تجتمع التسميتان على اختلاف دلالاتهما في تكريس الهدف الاستهلاكي ذاته، وصولاً إلى «سايبر مونداي» المخصص بالكامل للتجارة الإلكترونية في فضاء الإنترنت؛ حيث تتسابق الشركات والمنصات عبر القارات لغزو عقول المتسوقين، مستغلة شغف البشر باقتناص الفرص، لتنقلب الأهداف رأساً على عقب ويصبح الشراء المبالغ فيه استنزافاً حقيقياً للموارد لا ترشيداً لها.
اقرأ أيضًا: سيد الضبع يكتب: هل أصبح التريند مفتاح الفرص؟
وفي خضم هذا الصخب الرقمي، تعمل المنصات ببراعة فائقة على تعطيل العقل النقدي وتنشيط غريزة نهم الشراء الغافية؛ فمن خلال العدّادات التنازلية الموقوتة التي تومض على شاشات هواتفنا، أو تلك التنبيهات التي تدوي عبر مكبرات الصوت بالمولات الكبرى بعبارات مثل «باقي قطعتان فقط» أو «ينتهي العرض خلال عشر دقائق»، يفرز الدماغ البشري هرمون النورأدرينالين الناجم عن القلق الفطري من الخسارة، فيقع المستهلك فريسة لما يُعرف بـ «الخوف من تفويت الفرصة». وحين يبلغ التوتر مداه، يفسر الدماغ المأزوم عدم الشراء الفوري على أنه خسارة مجسدة وضياع فادح للمكاسب، وليس توفيراً حقيقياً للمال، لتسقط كل الحواجز المنطقية ويتم اتخاذ قرار الشراء تحت وطأة الانفعال اللحظي لا الحاجة الفعلية.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو أن تلك الخوارزميات لا تعتمد فقط على عامل الوقت، بل تبني ملفاً تنبؤياً دقيقاً لكل مستخدم، مترصدة اللحظات التي تنخفض فيها مقاومته النفسية عبر الترقب المستمر لشراء سلع لا تمثل له أي قيمة حقيقية؛ يرافق ذلك استغلال بعض متاجر التجزئة لأرقام هواتف وتفاصيل روادها المجمعة سابقاً لملاحقتهم بالإشعارات، إلى جانب تسخير الإبهار الرقمي في تصميم المواقع والتناغم العلمي للألوان الاستدراجية لتعزيز الجذب الإقناعي.
هنا تتكشف الغاية الحقيقية لتلك المواسم؛ فهي لا تهدف إلى مساعدة العائلات أو تخفيف الأعباء المعيشية، بل تسعى إلى هندسة الرغبات وخلق احتياجات وهمية لم تكن موجودة من الأساس، مستغلة رغبة الإنسان الجارفة في الشعور بالتميز أو الانتماء لموجة الاستهلاك العامة التي تجتاح المحيطين به على مدار الساعة.
وعند تأمل السلوك الاستهلاكي بين الشرق والغرب في تلك المواسم المتلاحمة، تتجلى فروقٌ دقيقةٌ تتقاطع عند النتيجة ذاتها؛ فبينما يندفع القطاع الواسع من المستهلكين في المجتمعات الشرقية نحو الشراء انطلاقاً من العدوى الاجتماعية والتفاخر الجمعي بين الأفراد والعائلات، يتجه المتلقي الغربي غالباً نحو الاستهلاك الفردي المعزول بوصفه تعبيراً عن حرية زائفة في الاختيار. ورغم اختلاف الدافع الظاهري، يظل المشترك الأعظم هو استسلام الفريقين لسطوة البرمجة النفسية للحاجات والدوافع المصطنعة، لتتحول محفظة النقود إلى مجرد أداة طيعة في يد شركات عابرة للقارات وغيرها محلية تجيد استخدام نفس الأدوات تقريباً للعزف على أوتار الزبائن الشرائية، متقنة فن تحويل الهوس الاستهلاكي إلى ثروات طائلة.
إن هذه الهيمنة البرمجية على مقدرات الإنسان الاستهلاكية تدق ناقوس الخطر حول تراجع حصانة الوعي وحصافة الرأي الفردي والجمعي أمام طوفان الإعلانات المبرمجة. ومن هنا تصبح الحاجة ملحة للتروي واليقظة الذهنية، حتى لا يجد المرء نفسه مجرد ترس هادئ في آلة الاستهلاك الضخمة، يشتري ما لا يحتاج بمال غير مخصص لهذا النوع من الإنفاق المستحثّ، متناسياً أن أقوى أشكال الحصانة في العصر الرقمي هي القدرة على قول «لا» في وجه الإغراء ومصادره، وحماية الجيب والعقل معاً من غواية الأرقام والخصومات الوهمية، واستبدال هذا التدافع بالتروي وإعمال العقل؛ لأننا ببساطة لن نتوقف عن الشراء، لكننا سنشتري عند الحاجة لا عند الإلحاح.