الأربعاء 04-11-2026 04:00 ياسر أيوب
كرة القدم ليست أحيانًا أجمل ما فى ملاعب كرة القدم.. ومباريات يصبح الفائز الحقيقى فيها هو الحب والانتماء وليس أحد الفريقين.. وهو ما جرى يوم الأحد الماضى استضافت مدينة بلباو فى استاد سان ماميس مبارة أتلتيكو بيلباو وريال سوسيداد فى الدورى الإسبانى.. وإدراك قيمة ومعنى ما جرى يتطلب أولًا التوقف أمام أتلتيكو بيلباو وريال سوسيداد كأهم وأكبر وأقوى وأشهر ناديين فى إقليم الباسك شمال إسبانيا.. ومثل إقليم كتالونيا فى الجنوب الإسبانى..
حاول إقليم الباسك كثيرًا الانفصال عن مدريد لتأسيس دولة الباسك المستقلة ليعيش فيها قرابة مليونى إنسان يحاولون طوال الوقت المحافظة على هويتهم كأحد أقدم شعوب أوروبا.. يتحدثون اليوسكارا كلغة خاصة بهم وحدهم، لا تشبه فى حروفها ونطقها الإسبانية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو الإيطالية أو الألمانية.. وتعد من أقدم لغات أوروبا وأصعبها أيضًا.. وأسسوا فى ١٩٥٩ حركة إيتا الانفصالية التى ظلت طويلًا تمارس العنف واستخدام السلاح والدم للمطالبة بالاستقلال..
اقرأ أيضًا: فاروق: التوسع في زراعة النباتات الطبية والعطرية فرصة واعدة ومحورية لتنمية القطاع
ثم أدرك أهل الباسك وتعلموا من أهل كتالونيا أن كرة القدم يمكن أن تصبح تأكيدا لهويتهم دون سلاح أو عنف تمامًا مثل ما قدمه نادى برشلونة لإقليم كتالونيا.. وأصبحت قلوبهم معلقة بهذين الناديين.. أتلتيكو فى مدينة بيلباو وريال سوسيداد فى مدينة سان سباستيان.. وسبقت لى زيارة المدينتين وحاورت فيهما كثيرين عرفت بعدها حكاية الباسك وما فيها من أحلام وجروح واضطهاد ضد أهلها مارسه الديكتاتور فرانكو حيث كان ممنوعا الحديث بلغتهم أو رفع علم الباسك أو الإيكورينا فى أى مكان طوال الوقت.. وعرفت أيضًا ما تعنيه كرة القدم فى حياة الباسك والمنافسة الدائمة بين هذين الناديين منذ ١٩٠٩ ومن منها الأقوى والأجدر بتمثيل إقليم الباسك وأهله..
ورغم أن بطولات أتلتيكو بيلباو هى الأكثر إلا أن ريال سوسيداد لم يستسلم بعد محتفظًا بعناد وصلابة أهل الباسك.. وقبل أن تبدأ مباراة الأحد الماضى فوجئ الجميع بالنجمين السابقين.. خوسيه أنخيل إريبار وإيناكسيو كورتاباريا يدخلان الملعب يحملان معًا علم الباسك وسط ممر شرفى من لاعبى الفريقين.. فكانت لحظة اختفت فيها المنافسة والحساسية وكرة القدم كلها ولم يبق إلا الانتماء للباسك بكل حب واعتزاز، سواء فى الملعب أو المدرجات.. وكان نفس هذين النجمين اللذين دخلا الملعب يحملان نفس العلم منذ ٥٠ سنة بعد أقل من سنة على وفاة فرانكو لكن العلم كان وقتها لا يزال محظورًا، ولم يتم إلغاء الحظر إلا ١٩٧٧.. ورغم فوز أتلتيكو بيلباو بالمباراة لم تفرح مدينة بيلباو بانتصار أو تحزن مدينة سان سباستيان لخسارتها.. فالفائز الحقيقى كان كل إقليم الباسك وأهله، لتعيش كرة القدم أحد أجمل وأغلى أوقاتها.