الأربعاء 04-11-2026 03:55 الأنبا إرميا
فى مقالٍ سابقٍ، تحدَّثنا عن عودةِ حُكم البلاد إلى السلطان الناصر محمد للمرة الثالثة (٧٠٩- ٧٤١هـ) (١٣١٠- ١٣٤٠م)؛ حيث تقدَّمَ الناصر محمد نحو القاهرة برفقة مماليكه وأتباعه، ليجد حفاوة كبيرة من الشعب ويبدأ فترة حُكمه الثالثة وهو فى الخامسة وعشرين من عمره، وقد ذُكِرَ أن دولة المماليك البحرية بلغت أَشُدَّها وأوجَ عظمتِها، كما استقرت أحوالها فازدهرت البلاد فى عهده.. إلا أن علاقة الناصر محمد بالأمراء كانت علاقة شكٍّ وارتياب، ما جعله يُلقِى القبض على كل من كان يشكُّ فى إخلاصه ويصادر ممتلكاته. وقد فرض السلطان الناصر سيطرته على بلاد الحجاز، واحتفظ بلقب «خادم الحرمين الشريفين»؛ لكنّ سلطته على المدينة كانت اسمية فقط.. أيضًا تمكَّن من السيطرةِ على بلاد اليمن زمنًا، إلى أن قام مَلِكُها برفض التعاون مع الجيش المملوكى باليمن وعودتهم إلى مصر، وتحولت العلاقات بين المماليك واليمن إلى حالة من العداء.
وقد امتدَّت سلطةُ دولة المماليك إلى دول شمال أفريقيا، بعد مساندة السلطان الناصر محمد للأمير أبو يحيى زكريا الحفصى، صاحب تونس، لاستعادة عرشه.. وبعد أن تمكَّن من استعادة الحكم، أمَرَ بالدعاء للسلطان الناصر محمد الذى امتدت سلطته إلى برقة وطرابلس وتونس من عام ٧١١- ٧١٧هـ (١٣١١- ١٣١٧م) حتى انتقل الحُكم إلى الأمير أبو بكر. أما العلاقات مع بلاد المغرب، فكانت علاقة وثيقة يسودها الودُّ.
اقرأ أيضًا: فاروق: التوسع في زراعة النباتات الطبية والعطرية فرصة واعدة ومحورية لتنمية القطاع
أما العلاقات مع مغول فارس، فقد كانت علاقات عدائية، على الرغم من محاولات التَّوَدُّد المغولى للمماليك، والتى لم يكن لها تأثير كبير. وقد حاول المغول طلب مساندة الفرنج ضد المماليك، لكن لم تنجح محاولاتهم.. إلا أنّ الخان المغولى «أولجايتو» انتهز فرصة تمرد عدد من أمراء الشام على السلطان وفرارِهم إليه، حتى أَعَدَّ حملةً على بلاد الشام للاستيلاء عليها، لكنها لم تنجح، وعاد خان المغول إلى بلاده بعد فشله فى الاستيلاء على مدينة الرحبة. وقد ذكر د. محمد سهيل طقوش فى كتابه «تاريخ المماليك فى مصر وبلاد الشام» ما دَفَعَ زعيم المغول إلى فك حصار الرحبة والعودة مسرعًا إلى بلاده، فقد ذكرَ عددًا من العوامل؛ منها: المقاومة الضارية من حامية الرحبة، وصول أخبار إليه بقدوم السلطان الناصر محمد على رأس جيش عظيم لمحاربته، تأثير وزيره عليه حيث أقنعه بالعدول عن فكرة الاستيلاء على بلاد الشام والعودة إلى بلاده. وبعد وفاة أولجايتو، تولَّى ابنه أبو سعيد الحكم، وقد أثار السِّلْم مع المماليك، فسعى نحو المفاوضات السلمية التى استمرت نحو ثلاث سنوات، حتى نجحت تلك المفاوضات فى تغيير طبيعة العلاقة بين البلدين من العداء إلى الود حتى وفاة أبى سعيد فى عام ٧٣٦هـ (١٣٢٨م). سادت بلاد إيلخانية فارس اضطرابات بسبب التنافس على الحكم، وقد حاول السلطان الناصر محمد التدخل وضم أملاك الإيلخانيين إليه، لكنه لم يتمكن من ذلك.
وقد خضعت بلاد النوبة لسيطرة المماليك الذين تحكّموا فى تولية حكامها، بينما سادت الاضطرابات العلاقات بين المماليك وأرمينيا الصغرى وتم إرسال عدد من الحملات إلى أرمينيا، آلت إلى عَقْد هدنة لمدة خمسة عشر عامًا بين البلدين، نقَضَها الأرمن، لكنهم عادوا إلى تبعية المماليك مرة ثانية. وفى ذلك الأوان، استمرت العلاقات بين المماليك والإمبراطورية البيزنطية بشكل جيد. كما سادت العلاقات الجيدة بين المماليك وبلاد أوروبا.
وذكر المؤرخون عن شخصية السلطان الناصر محمد أن حُكمَه شَهِدَ قوةً وازدهارًا لدولة المماليك، فذكر عنه محمد سهيل: «كان الناصر محمد المَثَل الأعلى السياسى فى دولة المماليك البحرية، شديدَ البأس، سديدَ الرأى، يتولى أمور الدولة بنفسه، مطَّلِعًا على أوضاع مملكته، محبوبًا من رعيته، مهيبًا من الأمراء.. شجاعًا ذا دهاء وكياسة، لا تزعجه الخطوب، ثابت الجأش، ذا اطِّلاع واسع.. والواقع أنه ارتكب الأخطاء التى تلازم السلطة المطلقة غير المحدودة، ولكنه كان من أعظم سلاطين المماليك».
و.. والحديث عن «مِصر الحُلوة» لا ينتهى!
* الأسقف العام
رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى