الأربعاء 04-11-2026 03:52 محمد إبراهيم بسيوني
لم تعد مشكلة الكلاب الضالة فى مصر مجرد قضية خلافية بين المدافعين عن حقوق الحيوان والمطالبين بالحد من انتشارها، بل أصبحت قضية صحة عامة وأمن مجتمعى تستدعى تدخلاً علمياً وحكومياً جاداً. فالزيادة غير المنضبطة فى أعداد الكلاب، مع انتشار القمامة ومخلفات الطعام، توفر بيئة مناسبة لتكاثرها وتجمعها فى قطعان، وقد تتحول بعض هذه التجمعات إلى مصدر خطر على المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن.
وتكمن أخطر المخاطر الصحية فى داء السعار (Rabies)، وهو مرض فيروسى يكاد يكون قاتلاً بنسبة ١٠٠٪ بعد ظهور أعراضه، وإن كان من الممكن الوقاية منه بعد العقر بالغسيل الفورى للجرح والحصول على التطعيم والمصل وفق التقييم الطبى. كما تسبب هجمات الكلاب إصابات جسدية وآثاراً نفسية، فضلاً عن احتمالات انتقال بعض الأمراض والطفيليات.
اقرأ أيضًا: وزير السياحة يبحث زيادة الرحلات الجوية إلى مصر مع كبرى شركات الطيران ومنظمي الرحلات العالمية
وتؤكد التجارب العلمية أن القتل العشوائى للكلاب لا يمثل حلاً مستداماً؛ لأنه لا يعالج أسباب التكاثر، ولا يزيل مصادر الغذاء، وقد تحل كلاب أخرى محل التى جرى التخلص منها. لذلك توصى المنظمات الدولية باستراتيجية متكاملة تشمل التطعيم ضد السعار، وتعقيم الإناث، والتبنى والإيواء، والسيطرة على مصادر الغذاء المكشوفة، وتحسين منظومة جمع القمامة.
وفى المقابل، لا يعنى الرفق بالحيوان ترك الكلاب المريضة أو شديدة العدوانية تهدد حياة المواطنين. فالقتل الرحيم (Euthanasia) قد يكون ضرورياً فى حالات محددة، بعد تقييم بيطرى وسلوكى، وبإجراءات قانونية وإنسانية تمنع المعاناة، وليس باعتباره وسيلة للإبادة الجماعية أو بديلاً عن الإدارة العلمية للأعداد.
ما تحتاجه مصر هو برنامج قومى مستدام يبدأ بحصر أعداد الكلاب وتوزيعها، وتطعيمها على نطاق واسع، مع استهداف تغطية لا تقل عن ٧٠٪ للسيطرة على انتقال السعار، وتنفيذ برامج تعقيم منتظمة، وتوفير مراكز إيواء ورعاية بيطرية، والتعامل المنظم مع الكلاب الخطرة، بالتوازى مع مواجهة تراكم القمامة ومخلفات الطعام التى تمثل أحد أهم مصادر بقائها وتكاثرها.
إن حماية الإنسان والرفق بالحيوان ليسا هدفين متعارضين؛ فالدولة مسؤولة عن حماية المواطنين ومنع إيذاء الحيوانات فى الوقت نفسه. حياة الإنسان، خاصة الأطفال، أولوية لا تقبل المساومة، والرحمة بالحيوان لا تعنى تجاهل الخطر، كما أن حماية المجتمع لا تبرر القسوة العشوائية. المطلوب علم وتخطيط وتمويل ومحاسبة، قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة صحية ومجتمعية يصعب احتواؤها.