استقبل الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، وفدًا أيرلنديًّا رفيع المستوى، برئاسة السفير إيدن أوهارا، سفير أيرلندا بالقاهرة، وبمشاركة المطران الدكتور منير حنا، مدير المركز المسيحي الإسلامي للتفاهم والشراكة، وعدد من القيادات الدينية والشخصيات الأكاديمية والمجتمعية من أيرلندا.

وأعرب مفتي الجمهورية، عن سعادته باستقبال النقد في دار الإفتاء المصرية، ومؤكدًا أهمية هذه اللقاءات في فتح آفاق أوسع للتعارف والتفاهم وتبادل الرؤى والخبرات، بما يسهم في تعزيز العلاقات الإنسانية وترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتعاون بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة.

اقرأ أيضًا: مفتي الجمهورية: الحوار بين أتباع الأديان مدخل لمواجهة الكراهية والتطرف وتعزيز التعايش

وأكد المفتي أن الحوار يمثل منهجًا أصيلًا في الإسلام، وليس مجرد وسيلة فرضتها الظروف المعاصرة، مشيرًا إلى أن أول ما نزل من القرآن الكريم كان الأمر الإلهي بالقراءة، وهو ما يعكس المكانة الكبرى التي أولاها الإسلام للعلم والمعرفة وإعمال العقل، باعتبارها ركائز أساسية لبناء الإنسان وإعمار الأرض وتقدم المجتمعات، موضحًا أن هذا البناء لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن التواصل والتعاون مع الآخر، وأن الحوار يمثل أحد المسارات الأساسية التي تسهم في بناء الحضارة الإنسانية وتعزيز التفاهم بين المجتمعات.

واستعرض أربعة نماذج تاريخية تجسد حضور الحوار في التجربة الإسلامية منذ نشأتها؛ بدءًا من المرحلة المكية التي اعتمد فيها النبي صلى الله عليه وسلم على الحكمة والإقناع العقلي في عرض الدعوة، مرورًا بهجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة وما قدمه النجاشي من نموذج في العدل وحماية الحقوق واحترام الاختلاف الديني، ثم وثيقة المدينة المنورة التي أرست أسس التعايش والمواطنة والمسؤولية المشتركة بين مكونات المجتمع، وصولًا إلى التجربة المصرية الممتدة في الحوار الإسلامي المسيحي، التي تتجسد اليوم في جهود بيت العائلة المصرية ومركز الإمام الليث بن سعد لفقه التعايش التابع لدار الإفتاء المصرية.

وأوضح أن هذه النماذج تعكس أهمية الحوار في بناء المجتمعات والدول والحضارات، وترسيخ أسس التفاهم والتعاون بين مكوناتها، كما أكد فضيلته أهمية التمسك بالحوار والاحتكام إلى الحلول السلمية في معالجة الخلافات، مشيرًا إلى أن تصاعد النزاعات وتغليب منطق القوة والسلاح على لغة التفاهم من شأنهما تعميق الأزمات الإنسانية وإضعاف فرص تحقيق السلام.

وتناول ما تشهده القضية الفلسطينية من انتهاكات جسيمة ومعاناة إنسانية يعيشها الشعب الفلسطيني، لافتًا إلى أن هذه الأوضاع تستدعي تكاتف الجهود الدولية وتعزيز الالتزام بمبادئ العدالة والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية، والعمل على إعلاء قيم السلام والحوار، بما يحفظ حقوق الشعوب ويحد من معاناة المدنيين.

كما بين في رده على تساؤل بشأن سبل مواجهة التطرف والعنف المرتبطين بالتوظيف الخاطئ للدين في بعض المجتمعات الإفريقية، أهمية التمييز بين التعاليم الدينية الصحيحة والممارسات المنحرفة التي تتبناها الجماعات المتطرفة، موضحًا أن من غير المنصف تحميل الأديان مسؤولية الجرائم التي يرتكبها بعض الأفراد والجماعات باسمها، في حين أن الأديان في جوهر رسالاتها تدعو إلى صون النفس الإنسانية واحترام الكرامة وحرية الاعتقاد والتعايش. وأكد أن هذه القيم تمثل أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لتعزيز التفاهم ومواجهة خطاب الكراهية والعنف.

ولفت إلى جهود الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية في نشر الفكر الوسطي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ومواجهة الفكر المتطرف، مشيرًا إلى استعداد دار الإفتاء المصرية للتعاون في ترجمة إصداراتها العلمية المعنية بمواجهة الفكر المتطرف إلى لغات متعددة، بما يتيح الاستفادة منها في نطاق أوسع، ويسهم في تعزيز التواصل مع المجتمعات المختلفة وتقديم خطاب علمي رصين يوضح المفاهيم الدينية الصحيحة، كما أشار فضيلته إلى منصة «حصين» المرتقبة التابعة لدار الإفتاء المرجع الإفتائي الدولي، ودورها في توظيف التقنيات الحديثة لتعزيز الوعي الديني الصحيح ومواجهة الفكر المتطرف.

من جانبه، أعرب سفير أيرلندا بالقاهرة، عن بالغ تقديره لحفاوة الاستقبال، موجهًا الشكر إلى فضيلة مفتي الجمهورية على إتاحة الفرصة لهذا اللقاء والحوار، ومشيدًا بجهود المؤسسات الدينية المصرية في تعزيز الحوار بين أتباع الأديان ونشر قيم التفاهم والتعايش، مؤكدًا أن الوفد جاء بروح من الانفتاح والرغبة في تبادل الخبرات والتعرف على التجربة المصرية، مشيرًا إلى أهمية المشتركات الأخلاقية والإنسانية التي تجمع الأديان، ودورها في تعزيز الإيمان والأمل ومواجهة التحديات المعاصرة.

بدوره، استعرض المطران الدكتور منير حنا، رئيس أساقفة الكنيسة الأسقفية الشرفي ومدير المركز المسيحي الإسلامي للتفاهم والشراكة، أهداف زيارة الوفد الأيرلندي، التي تأتي في إطار تعزيز المعرفة المتبادلة بين أتباع الأديان، والتعرف على الخبرات الدينية والروحية والثقافية المختلفة، مؤكدًا أهمية الحوار الإسلامي المسيحي في بناء جسور الثقة والتفاهم، وتعزيز التعاون بين المجتمعات على أساس القيم الإنسانية المشتركة.

وشهد اللقاء عددًا من المداخلات من أعضاء الوفد الأيرلندي، تناولت تجارب التعايش بين المسلمين والمسيحيين في أيرلندا، وسبل الاستفادة من الحوار في تعزيز التفاهم، ودور المؤسسات الدينية في مواجهة التطرف والعنف ونشر ثقافة السلام. وأشاد المشاركون بالتجربة المصرية في الحوار بين الأديان، معربين عن تطلعهم إلى استمرار التواصل وتبادل الخبرات وتعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك.