وتشير التجارب الأولية على الحيوانات إلى أن هذا الجزيء قادر على كبح الشهية وتعزيز فقدان الدهون بطريقة تشبه تأثير مادة "سيماغلوتايد"، وهي المادة الفعالة في دواء "أوزمبيك"، مع احتمال تجنب بعض آثاره الجانبية المزعجة.

ويعمل الجزيء الجديد، الذي يحمل اسم BRP، بطريقة مختلفة عن العلاجات الحالية.

فبدلا من التأثير في أعضاء متعددة في الجسم، يبدو أنه يستهدف بصورة أكثر انتقائية منطقة محددة في الدماغ مسؤولة عن تنظيم الجوع وعمليات الأيض.

اقرأ أيضًا: سامسونج تبدأ الاختبارات الداخلية لواجهة One UI 9.5 التجريبية على Galaxy S26

واستطاع الباحثون اكتشاف جزيء BRP بمساعدة الذكاء الاصطناعي، الذي مكنهم من فحص آلاف المركبات البيولوجية المحتملة.

وكانت النتائج الأولية مشجعة إلى درجة دفعت العلماء إلى الاستعداد للمرحلة التالية من البحث، والمتمثلة في تحديد ما إذا كان الجزيء آمنا وفعالا لدى البشر.

وقالت كاترين سفينسون، الأستاذة المساعدة في علم الأمراض بجامعة ستانفورد: "توجد المستقبلات التي يستهدفها سيماغلوتايد في الدماغ، لكنها توجد أيضا في الأمعاء والبنكرياس وأنسجة أخرى".

وأضافت: "لهذا السبب، يمتلك أوزمبيك تأثيرات واسعة النطاق، تشمل إبطاء حركة الطعام عبر الجهاز الهضمي وخفض مستويات السكر في الدم. وفي المقابل، يبدو أن BRP يعمل بصورة محددة في منطقة تحت المهاد، المسؤولة عن التحكم في الشهية والتمثيل الغذائي"، حسبما نقل موقع "ساينس ديلي" الطبي.

نهج مختلف تماما لإنقاص الوزن

تعد منطقة "تحت المهاد" جزءا صغيرا لكنه بالغ الأهمية، يقع في عمق الدماغ.

وتؤدي هذه المنطقة وظائف حيوية عديدة، من بينها تنظيم الشعور بالجوع، واستهلاك الطاقة، ودرجة حرارة الجسم، وغيرها من العمليات الضرورية للحفاظ على التوازن الداخلي للجسم.

ونظرا لدورها المحوري في التحكم بالشهية، فإنها تمثل هدفا مهما للعلماء الذين يعملون على تطوير علاجات للسمنة.

ويعمل "سيماغلوتايد" من خلال محاكاة تأثير هرمون يسمى "الببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1"، المعروف اختصارا باسم GLP-1.

ويساعد هذا الهرمون على تنظيم مستويات السكر في الدم، كما يؤثر في الإشارات العصبية والهرمونية المسؤولة عن الجوع والشعور بالشبع.

لكن مستقبلات GLP-1 تنتشر في مناطق مختلفة من الجسم، وهو ما يفسر سبب امتلاك الأدوية التي تنشط هذه المستقبلات تأثيرات تتجاوز مجرد كبح الشهية.

أما جزيء BRP فيبدو أنه يسلك مسارا مختلفا، فعلى الرغم من تأثيره في بعض الوظائف الأيضية العامة نفسها التي يؤثر فيها "سيماغلوتايد"، فإنه ينشط مجموعات مختلفة من الخلايا العصبية في الدماغ.

ويعتقد العلماء أن هذا الاختلاف قد يسمح بالتحكم في الجوع بدرجة أكبر من الدقة، مع تقليل التأثيرات غير المرغوبة في بقية أعضاء الجسم.

انخفاض استهلاك الطعام بنسبة كبيرة

اختبر العلماء تأثير جزيء BRP على فئران نحيفة وخنازير صغيرة الحجم.

واختيرت الخنازير الصغيرة لأن عمليات الأيض وأنماط تناول الطعام لديها تشبه نظيرتها لدى البشر بدرجة أكبر مقارنة بالفئران.

وقبل تقديم الطعام للحيوانات، حقنها الباحثون بجزيء BRP في العضلات.

وكانت النتائج لافتة، فخلال الساعة التالية للحقن، انخفض استهلاك الحيوانات المعالجة للطعام بنسبة وصلت إلى 50 بالمئة مقارنة بالكميات المتوقعة.

وأشارت هذه النتيجة إلى أن الجزيء قد يمتلك قدرة قوية على التأثير في الشعور بالجوع.

وبعد ذلك، انتقل العلماء إلى دراسة ما إذا كان إعطاء الجزيء بصورة متكررة يمكن أن يؤدي إلى تغيرات مستمرة في وزن الجسم.

وتلقت فئران مصابة بالسمنة حقنة يومية من BRP لمدة 14 يوما، وبنهاية التجربة، فقدت الفئران المعالجة نحو 3 غرامات من وزنها في المتوسط.

وكانت إحدى أبرز النتائج أن معظم الوزن الذي فقدته الفئران المعالجة بجزيء BRP جاء من الدهون، وليس من الكتلة العضلية.

كما أظهرت الحيوانات المعالجة تحسنا في تحمل الغلوكوز والاستجابة للإنسولين.

ومن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الاكتشاف الجديد احتمال أن يوفر BRP فوائد مرتبطة بإنقاص الوزن، مع تجنب بعض الآثار الجانبية غير المرغوبة التي ترتبط بسيماغلوتايد والأدوية المشابهة.

وللتحقق من الآثار الجانبية المحتملة، راقب الباحثون سلوك الفئران والخنازير المعالجة واستجاباتها الجسدية.

ولم يجدوا اختلافات مهمة مقارنة بالحيوانات غير المعالجة في عدة مؤشرات، شملت الحركة، واستهلاك المياه، والسلوك المرتبط بالقلق، وإخراج البراز.

وكان غياب التغيرات في إخراج البراز لافتا بصورة خاصة، لأن الإمساك يعد من الآثار الجانبية المعروفة لأدوية مثل "أوزمبيك".

ما الخطوة التالية؟

رغم النتائج المشجعة، لا يزال جزيء BRP في مرحلة مبكرة من التطوير، ويحتاج الباحثون إلى فهم أكثر تفصيلا للطريقة التي يتواصل بها الجزيء مع الخلايا، وكيف يمكن الحفاظ على تأثيراته لفترات أطول.

وتتمثل إحدى الأولويات في تحديد المستقبلات الموجودة على سطح الخلايا التي تتعرف إلى BRP.

والمستقبلات هي بروتينات متخصصة تستجيب لإشارات كيميائية معينة، وتسمح للخلايا بالتعرف إلى الرسائل الواردة إليها وإطلاق الاستجابات البيولوجية المناسبة.

ومن المحتمل أن يساعد تحديد المستقبلات التي ينشطها BRP على تفسير تأثيراته في الجوع والتمثيل الغذائي.

ويرغب الباحثون أيضا في دراسة وسائل إطالة مدة نشاط الجزيء داخل الجسم، وإذا تمكن العلماء من تطوير نسخة أطول مفعولا من BRP، فقد يجعل ذلك العلاج أكثر سهولة وملاءمة للمرضى، بشرط إثبات فعاليته لدى البشر.

لكن التحدي الأكبر سيبقى تحديد ما إذا كانت المزايا التي ظهرت في التجارب الحيوانية ستتحول إلى فوائد حقيقية للمرضى.

وسيتعين على التجارب السريرية تقييم سلامة الجزيء وفعاليته والجرعات المناسبة منه وآثاره الجانبية المحتملة، قبل أن يصبح علاجا عمليا للسمنة.