هل شعرت يوماً بآلام متكررة في الظهر أو المعدة، ثم أخبرك أحدهم بأن جسمك يخزن التوتر والضغوط النفسية في هذه المناطق؟.. ربما سمعت أيضاً أن القلق والغضب يظهران في صورة آلام جسدية، لكن هل يعني ذلك أن المشاعر السلبية تتراكم بالفعل داخل أعضاء الجسم؟

وفقاً لموقع مجلة "Times" فإن الحقيقة العلمية أكثر تعقيداً من هذا الاعتقاد، فالتوتر لا يُخزن في عضو بعينه، لكنه يؤثر في الجسم بأكمله من خلال سلسلة من التفاعلات الهرمونية والعصبية التي قد تنعكس على الصحة الجسدية والنفسية بطرق مختلفة.

اقرأ أيضًا: تغييرات نمط الحياة تساعد مرضى السكر من النوع 2 على الشفاء.. دراسة توضح

ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن الضغوط النفسية يمكن أن تظهر في صورة أعراض جسدية حقيقية، مثل الصداع وآلام العضلات واضطرابات المعدة وخفقان القلب، لكنها لا تعني وجود مخزون من التوتر داخل عضو محدد.

هل يخزن الجسم المشاعر السلبية في أعضائه؟

ارتبط الاعتقاد بأن المشاعر المكبوتة تتحول إلى أعراض جسدية بنظريات نفسية قديمة، أبرزها بعض أفكار سيجموند فرويد، التي ربطت بين كبت المشاعر وظهور الأعراض الجسدية.لكن مع تطور الأبحاث العلمية، أصبح فهم تأثير التوتر على الجسم أكثر شمولاً إذ تبين أن الضغوط النفسية تنشط مجموعة من الأنظمة الحيوية التي تتفاعل مع بعضها البعض، سواء كان الشخص يكبت مشاعره أو يدركها ويعبر عنها.
وبحسب خبراء علم النفس والأعصاب، فإن التوتر لا يستقر في الظهر أو المعدة أو أي عضو آخر، وإنما يحفز استجابة متكاملة تشمل الدماغ والجهاز العصبي والغدد والعديد من أجهزة الجسم.

ماذا يحدث داخل جسمك عندما تتعرض للتوتر؟

عندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي، يبدأ الوطاء، وهو أحد مراكز التحكم المهمة في الدماغ، بتنشيط سلسلة من الإشارات الهرمونية التي تحفز الغدة النخامية، لتوجه بدورها الغدد الكظرية إلى إفراز هرمون الكورتيزول، المعروف باسم هرمون التوتر.
وفي الوقت نفسه، يزداد إفراز هرموني الأدرينالين والنورأدرينالين، ما يؤدي إلى حدوث تغيرات فسيولوجية سريعة، مثل تسارع ضربات القلب، وزيادة الانتباه، وتغير ضغط الدم، وقد يصاحب ذلك تعرق اليدين أو الشعور ببرودتهما.

ولا تتوقف استجابة الجسم عند هذه التأثيرات اللحظية، إذ يمكن أن تمتد آثار التوتر إلى الدماغ والمناعة والجهاز الهضمي والعضلات، خاصة عندما تستمر الضغوط لفترات طويلة.

لماذا تختلف أعراض التوتر من شخص لآخر؟

لا تظهر الضغوط النفسية بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص، فهناك من يعاني زيادة الشهية والرغبة في تناول الأطعمة، بينما يشعر آخرون بآلام العضلات أو الصداع أو اضطرابات الجهاز الهضمي.

ويفسر العلماء ذلك بأن استجابة الجسم للتوتر تشبه سيمفونية موسيقية تشارك فيها أنظمة حيوية متعددة، ويختلف مستوى نشاط كل نظام وفقاً لطبيعة الضغط النفسي وشدته ومدته.

كما تلعب عدة عوامل دوراً في تحديد كيفية استجابة الجسم، أبرزها:

-العمر: قد تختلف قدرة الجسم على التعامل مع الضغوط مع التقدم في العمر.
-الحالة الصحية: الأمراض المزمنة والمشكلات الصحية السابقة قد تزيد من ظهور بعض الأعراض.
-العوامل الوراثية: قد يكون بعض الأشخاص أكثر عرضة لمشكلات الجهاز الهضمي أو غيرها من الأعراض المرتبطة بالتوتر.
-التجارب السابقة: قد تؤثر الخبرات النفسية والصدمات السابقة في طريقة استجابة الإنسان للضغوط الجديدة.
- مدة التوتر وشدته: تختلف آثار الضغوط العابرة عن تلك الناتجة عن التعرض المستمر للتوتر على مدار شهور أو سنوات.

أنواع التوتر النفسي وتأثيرها على الجسم

ليس كل توتر متشابهاً، إذ تختلف آثاره وفقاً لطبيعته ومدته، ويمكن تقسيمه إلى عدة أنواع:

1. التوتر الحاد: يحدث نتيجة موقف مفاجئ، مثل التعرض لمشكلة أو الوقوع في زحام مروري، وغالباً ما تكون آثاره مؤقتة.
2. التوتر المتقطع: ينتج عن تكرار الضغوط اليومية، مثل تراكم مسئوليات العمل والمشروعات والمواعيد النهائية.
3. التوتر المزمن: يستمر لفترات طويلة نتيجة ظروف صعبة، مثل فقدان الوظيفة أو الطلاق أو التعامل مع مرض طويل الأمد.
4. التوتر المرتبط بالصدمات النفسية: قد ينتج عن التعرض لتجارب مؤلمة، خاصة خلال الطفولة، ويترك آثاراً ممتدة على الصحة النفسية والجسدية.

وتشير التفسيرات العلمية إلى أن استمرار التوتر لفترات طويلة دون الحصول على الراحة والتعافي الكافيين قد يزيد من احتمالات ظهور مشكلات صحية.

ما أعراض التوتر والضغط النفسي على الجسم؟

يمكن أن يؤثر التوتر في أجهزة الجسم المختلفة، بما فيها الجهاز العضلي الهيكلي، والجهاز التنفسي، والقلب والأوعية الدموية، والجهاز الهضمي، والغدد الصماء، والجهاز العصبي والجهاز التناسلي.

ومن أبرز الأعراض الجسدية التي قد ترتبط بالضغط النفسي:
- الصداع المتكرر.
- آلام الرقبة والظهر والعضلات.
- الغثيان واضطرابات المعدة.
- الإرهاق والشعور المستمر بالتعب.
- الدوار والدوخة.
- خفقان القلب.
- آلام الصدر والبطن.
- اضطرابات الدورة الشهرية.
- تغير الشهية وأنماط النوم.
وقد يسهم التوتر المستمر في زيادة الالتهابات والتأثير على وظائف الجهاز المناعي، كما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم بعض الحالات الصحية الموجودة بالفعل.

هل كل الأعراض الجسدية سببها التوتر؟

رغم العلاقة القوية بين الحالة النفسية والصحة الجسدية، فإن ظهور الألم أو التعب لا يعني بالضرورة أن التوتر هو السبب.

فقد تتشابه أعراض الضغط النفسي مع أعراض أمراض عضوية تحتاج إلى التشخيص والعلاج، ولذلك يؤكد الأطباء أهمية إجراء الفحوصات اللازمة لاستبعاد الأسباب الطبية المحتملة قبل ربط الأعراض بالحالة النفسية.

ولا ينبغي تشخيص الشخص لنفسه باعتبار أن الصداع أو آلام المعدة أو الصدر ناتجة عن التوتر فقط، خاصة إذا كانت الأعراض جديدة أو شديدة أو مستمرة.

كيف تتخلص من آثار التوتر وتساعد جسمك على التعافي؟

إذا تبين أن الأعراض الجسدية مرتبطة بالضغوط النفسية، فقد يوصي الطبيب بأساليب علاجية تساعد على تنظيم الاستجابة للتوتر وتحسين الصحة النفسية والجسدية.

ومن أبرز هذه الأساليب العلاج القائم على اليقظة الذهنية، وهو أسلوب يساعد الشخص على التركيز في اللحظة الحالية والتعامل مع مشاعره وأعراضه دون مبالغة أو أحكام مسبقة.

كما يمكن اتباع مجموعة من العادات اليومية التي تساعد الجسم على التعافي من الضغوط، ومنها:

-الحصول على نوم كافٍ: يساعد النوم المنتظم على استعادة توازن الجسم وتحسين القدرة على التعامل مع الضغوط.
- ممارسة النشاط البدني: تساهم الرياضة في تحسين الحالة المزاجية وتخفيف التوتر العضلي.
- التواصل الاجتماعي: الحديث مع الأصدقاء وأفراد الأسرة والحصول على الدعم النفسي يساعدان على تخفيف آثار الضغوط.
-اتباع نظام غذائي صحي: التغذية المتوازنة تدعم وظائف الجسم والصحة العامة.
-ممارسة تمارين التنفس والاسترخاء: تساعد على تهدئة الاستجابة الجسدية للتوتر.
-طلب المساعدة المتخصصة: قد يكون العلاج النفسي ضرورياً عند استمرار الضغوط أو تأثيرها في الحياة اليومية.