يحتفل متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية بمرور 40 عامًا على افتتاحه رسميًا في أكتوبر 1986، مستعيدًا حكاية قصر يحتضن بين جدرانه مقتنيات توثق نحو 150 عامًا من تاريخ حكم أسرة محمد علي باشا لمصر (1805-1952).
قصر فاطمة حيدر
ويتميز هذا الصرح الأثري بفتح أبواب قصر النبيلة فاطمة حيدر بمنطقة زيزينيا أمام الجمهور، ليروي رحلة تحول مبنى شُيّد ليكون مقرًا للإقامة الفاخرة، ويعكس ذروة الذوق المعماري الأوروبي، إلى متحف وطني يحتضن كنوزًا ونفائس الأسرة العلوية.
اقرأ أيضًا: القطاعي السياحي المصري يشارك في بورصة لندن الدولية للسياحة| خاص
قصر زيزينيا
بدأت القصة المعمارية للقصر عام 1919، حين شرعت السيدة زينب فهمي في بناء الجناح الغربي بحي زيزينيا الراقي، وتولت ابنتها النبيلة فاطمة الزهراء استكمال الجناح الشرقي عقب وفاة والدتها، حتى اكتمل البناء عام 1923، واتخذته مقرًا لإقامتها.
وتنحدر النبيلة فاطمة الزهراء، المولودة عام 1903 والمتوفاة عام 1983، من سلالة مؤسس مصر الحديثة؛ فهي ابنة الأمير علي حيدر باشا بن الأمير أحمد رشدي بن الأمير مصطفى بهجت فاضل بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا الكبير. واشتهرت بلقب «فاطمة حيدر»، وظلت بصمتها حاضرة بالحرفين اللاتينيين من اسمها على مقتنياتها وفي أرجاء القصر.
وظل القصر مملوكًا للأسرة حتى ما بعد ثورة يوليو 1952، وفي عام 1964 تنازلت النبيلة فاطمة الزهراء رسميًا عن قصرها للحكومة المصرية، التي استخدمته لفترة وجيزة استراحة رئاسية لاستقبال كبار ضيوف الدولة، قبل صدور قرار تحويله عام 1986 إلى متحف رسمي للمجوهرات الملكية.
وخضع المتحف لاحقًا لعدة مشروعات ترميم وتطوير شاملة، كان آخرها عام 2009، بهدف مواكبة أحدث أساليب العرض المتحفي.
وضع التصميم المعماري للقصر المهندس والمعماري الإيطالي أنطونيو لاشياك، الذي أبدع تحفة تحاكي قصور عصر النهضة الأوروبية، وتتداخل فيها تفاصيل طرازي الباروك والروكوكو مع اللمسات البيزنطية.
وتبلغ المساحة الإجمالية للموقع نحو 4185 مترًا مربعًا، تشمل مبنى القصر والحديقة المحيطة به، بما تضمه من نباتات وأشجار نادرة.
ويتألف المبنى من جناحين، شرقي وغربي، يتكون كل منهما من طابقين وبدروم، ويربط بينهما ممر معمد مزخرف، يضم عشرة أبواب من الزجاج المعشق الملون، تروي قصة حب وزواج اثنين من النبلاء الإيطاليين، وتعلوها رسوم آدمية مستوحاة من الأساطير اليونانية والرومانية، تتداخل مع عناصر هندسية ونباتية.
جولة بين قاعات المتحف الـ13
تتوزع في أرجاء القصر 13 قاعة عرض، تتمتع كل منها بهوية بصرية مستقلة؛ إذ يستقبل بهو المدخل الزائرين بتمثالين من البرونز يجسدان الشمس والقمر، وأعمدة رخامية تتكامل مع سقف مزخرف ومنافذ تهوية من الزجاج المعشق، فضلًا عن ثلاث لوحات زيتية للأميرة ووالديها.
وتتوالى القاعات بزخارف أسقفها الجدارية؛ بدءًا من قاعة «الأوديسا»، التي تستحضر ملحمة هوميروس الإغريقية عبر ثماني لوحات تلخص رحلة عودة الملك أوديسيوس وصبر زوجته بينيلوبي، وقاعة «الجنة والنار» التي تحاكي براعة مايكل أنجلو في تصوير صراع الخير والشر.
كما تبرز في الطابق الأول قاعة «الميديا والمعارض المؤقتة»، التي يتغير سيناريو العرض بها لاحتضان النفائس النادرة، وتتزين بثلاث لوحات زيتية للخديوي إسماعيل والخديوي توفيق والأميرة فاطمة إسماعيل.
ويضم الطابق الثاني قاعة المائدة، التي خُصصت لتناول الطعام وزُين سقفها برموز بيزنطية تجسد أغصان وعناقيد العنب، إلى جانب قاعة الأطفال المجنحة المستوحاة من أسلوب الروكوكو، وصالة الشاي، وقاعة الأمير يوسف كمال.
ويصل الإبهار المعماري ذروته في الحمام الرئيسي، المكسو بالكامل بالرخام والفسيفساء، والمزين بجداريات دقيقة تجسد المعبودة فينوس وكيوبيد وحوريات الغابات، في انعكاس لمظاهر الترف التي ميزت حياة القصور في ذلك العصر.
لا تقتصر القيمة التاريخية للمتحف على زخارفه المعمارية، بل تمتد إلى ما يضمه من كنوز نادرة تؤرخ لحقبة الأسرة العلوية (1805-1952)، وتوثق جوانب من الحياة الملكية.
وتتصدر المعروضات قلادة مؤسس الأسرة محمد علي باشا، المصنوعة من الذهب والمطعمة بفصوص الماس والزمرد، إلى جانب قاعة الحفلات التي تعرض 37 مشعلًا استُخدمت عام 1937 خلال الاحتفال التاريخي بجلوس الملك فاروق على العرش.
وتضم المقتنيات أيضًا كأسًا ذهبية نادرة تحمل اسم الملك فاروق الأول، أُهديت إليه بمناسبة فوز مصر في السباق السياحي العالمي، فضلًا عن ساعات جيب ثمينة مرصعة بالأحجار الكريمة، من بينها نموذج من الذهب والماس للخديوي إسماعيل.
وتتألق في قاعات الطابق الثاني مقتنيات الملك فاروق والملكة فريدة، وفي مقدمتها رقعة شطرنج ذهبية من الطراز الهندي، تتكون من 32 قطعة على هيئة تماثيل مطعمة بالمينا الملونة ومرصعة بالماس، وهي هدية تلقاها الملك فاروق من شاه إيران محمد رضا بهلوي بمناسبة زواجه من شقيقته الأميرة فوزية.
وتجاورها علبة حلوى تذكارية من العقيق والبلاتين المرصع بالماس، صُنعت احتفالًا بزفاف فاروق وفريدة، وطقم مشروبات فاخر من الذهب والكريستال يحمل الحروف الأولى لاسميهما ويتوج بالتاج الملكي.
كما يضم المتحف نفائس تخص أميرات الأسرة العلوية، من بينها محبس حزام وعلب حلوى ذهبية للأميرة فوزية، وإسورة ذهبية للأميرة سميحة حسين كامل، صُممت على هيئة وردة تتوسطها حلية بلاتينية ومرصعة بالماس واللؤلؤ.
احتفاءً باليوبيل الأربعيني لافتتاح المتحف، أطلقت إدارته برنامجًا ثقافيًا ومجتمعيًا تحت شعار «أربعون عامًا... محطات في حكاية ملكية»، لتعزيز التواصل مع الجمهور.
واستهلت الفعاليات بالمحطة الأولى، التي تضمنت استقبال الزوار بملابس وبورتريهات تذكارية تاريخية وإتاحة التصوير بها، تلتها المحطة الثانية بإعلان نتائج مسابقتي الرسم والتصوير الفوتوغرافي وتكريم الفائزين، بالتعاون مع جمعية أصدقاء المكتبة.
وشهدت المحطة الثالثة تكريم الموظف المثالي لشهر أكتوبر، تقديرًا لعطاء الكوادر المتحفية، فيما تضمنت المحطة الرابعة توزيع مطبوعات تعريفية وتوثيقية باللغتين العربية والإنجليزية على الزائرين، أُعدت بالتعاون بين إدارة المتحف وإدارة تطوير المواقع الأثرية والمتاحف والمكتب العلمي لوزير السياحة والآثار.
وخُصصت المحطة الخامسة للفضاء الرقمي، عبر إطلاق أولى حلقات السلسلة التوثيقية «شخصية وبيرق» على الصفحة الرسمية للمتحف بموقع فيسبوك، بهدف رفع الوعي بتاريخ رواد الأسرة العلوية ومقتنياتهم.
واختُتمت المحطات السادسة بتنظيم معرض فني لرسومات الأطفال، أشرف عليه القسم التعليمي، تأكيدًا لدور قصر الأميرة فاطمة حيدر المتجدد باعتباره أحد أبرز الصروح الحضارية والتراثية في الإسكندرية.