الجمعة 06-11-2026 05:15 كتب: بشري عبدالمؤمن
أحمود أربيرى تصوير : آخرون

فى زمن تتلاحق فيه التحولات، وتواجه الصحافة أزمات تمسّ أدواتها ومصداقيتها ومستقبلها، اخترنا أن نعود إلى قصص صحفية تستحق أن تُروى، وإلى حكايات سبقت وصولها إلى القراء؛ سؤال قاد إلى اكتشاف، وشاهد كسر صمته، وصحفى واصل البحث حين بدا أن الأبواب أُغلقت.
اختياراتنا تحكمها، فى المقام الأول، ذائقةٌ شخصية؛ فلا نقدّم قائمةً بأفضل ما كُتب، ولا تأريخًا جامعًا للمهنة، وإن كان كثيرٌ من هذه القصص قد أحدث أصداءً واسعة، وحصد جوائز مرموقة، من بينها «بوليتزر».
اقرأ أيضًا: أشرف قاسم: حسام حسن صاحب قرار مصيره.. وإمام عاشور لا يستحق الانضمام للمنتخب
نستعيد هذه التجارب لأننا نؤمن بأن الصحافة، مهما تغيّرت وسائطها وتسارعت تقنياتها، يبقى جوهرها: البحث عن الحقيقة، والتحقق منها، وروايتها بأمانة.. ولهذا كانت «قصة وراء القصة».
لم يكن «أحمود أربيرى» يعرف، حين كان يتقدم زملاءه فى غرفة تبديل الملابس ويقود هتافهم قبل المباراة، أن رجلًا لم يلتقه سيعود يومًا إلى تلك اللحظة ليحاول إنقاذه من صورة موته.
هناك، داخل فريق مدرسة برونزويك الثانوية فى ولاية جورجيا الأمريكية، كان «مود»، -كما يناديه أصدقاؤه-، صغير البنية، شديد الثقة بقلبه، يصرخ فى اللاعبين، فيردون عليه، ثم يندفعون إلى الملعب، وبعد سنوات، سيعرفه ملايين الناس فى مشهد مختلف: شاب يركض، وشاحنة تعترض طريقه، ورجل يحمل بندقية.
بين المشهدين كتب الصحفى الأمريكى ميتشل إس جاكسون «حياة فى اثنتى عشرة دقيقة»، المنشورة بمجلة «رانرز وورلد» عام ٢٠٢٠، ولم يكتفِ بتتبّع اللحظات التى قُتل خلالها أربيرى، ابن الخامسة والعشرين؛ بل عاد إلى غرفته وحبيبته ومدربه وأحلامه المؤجلة، وترك كل ذلك يتداخل مع عقارب ساعة تتحرك نحو النهاية، وكانت الحكاية معروفة فى خطوطها العامة، لكن تفاصيل الحياة التى انتهت فى الشارع لم تكن قد أخذت مساحتها من المشهد.
كان تسجيل مقتل «مود» قادرًا على إظهار ما حدث فى الطريق، لكنه لم يكن يحمل صوت أمه، أو ذكريات أخيه، أو ما بقى لدى أصدقائه من أيام المدرسة، ذهب جاكسون إلى هؤلاء، وجمع إلى رواياتهم وثائق الجريمة وتسجيلاتها، وفى الصفحات التى كتبها لمجلة «عن الجرى»، أخذت حياة الشاب تتسع، فيما كانت المسافة بينه وبين مطارديه تضيق.
الفتى الذى سبق صورته الأخيرة
اختار «جاكسون» أن يفتتح القصة الصحفية فى ملعب، لا عند موقع الجريمة، مستعيدًا تدريبًا يستفز فيه المدرب لاعبى الدفاع، ثم اندفاع «مود» والتحامه العنيف بأحد زملائه، وفى المباراة التالية يكرر الفتى اندفاعه، ويكتشف المدربون أن الجسد الصغير يخفى بأسًا غير متوقع. يلخصه الصحفى بعبارة: «صغير البنية جسديًا، عظيم القلب»، وبعد أن يمنح القارئ هذا المدخل، يقفز فجأة إلى يوم الأحد ٢٣ فبراير ٢٠٢٠، الساعة الواحدة وأربع دقائق مساءً.
تكاد هذه القفزة تختصر فكرة القصة الصحفية كلها، فما سنراه بعد قليل ليس جسدًا مجهولًا يركض فى تسجيل مصوّر، بل اللاعب الذى عرفنا شجاعته قبل صفحات، أما البداية الرياضية فتفتح أيضًا بابًا طبيعيًا إلى جمهور المجلة، قبل أن تأخذه إلى أسئلة أبعد من الملعب، حيث يتعرف القارئ إلى «مود» أولًا، ثم يبدأ إدراك ما سيُنتزع منه.
ولد أحمود أربيرى فى ٨ مايو ١٩٩٤، وكان ثالث أبناء واندا كوبر جونز وماركوس أربيرى الأب، حمل أكثر من اسم فى دوائر محبته؛ أسرته تناديه «كويز»، وأصدقاؤه يعرفونه باسم «مود»، وكان يعمل فى ماكدونالدز أثناء الدراسة، ليملك بعض المال ويساعد أمه التى كانت كثيرًا ما تجمع بين وظيفتين، أحب الملابس الزاهية، وشارك أخاه الغرفة، وأزعجه ببعثرة الأحذية والملابس.
يتذكر أخوه فوضى الغرفة، وتستعيد حبيبته شينيس جونسون بداية تعارفهما فى العمل، من هذه الذاكرة المتفرقة يجمع جاكسون صورة مود؛ ملابس مبعثرة فى البيت، وفتى يعتنى بمظهره قبل موعده الأول، وسيارة كامرى ذهبية عاملها كأنها مرسيدس، وحين مر لاصطحاب شينيس، كان يرتدى قميصًا أبيض وحذاءً ناصعًا، ثم دعاها إلى وجبة مأكولات بحرية، وفتح لها الأبواب وسحب كرسيها، تقول حبيبته شينيس: «حين كنت معه، لم أكن مضطرة إلى القلق بشأن أى شىء».
تظهر كذلك إصابة الركبة والتأهيل الشاق، ثم خيبة عدم الحصول على منحة لكرة القدم الأمريكية، والالتحاق بكلية تقنية قبل العودة إلى البيت، فلا تختفى العثرات من السيرة، ولا تُصنع منها مقدمة اتهام، يتدرج مود أمام القارئ من فتى فى الملعب إلى شاب يبحث عن مهنة وحب ومستقبل، وتكتسب خسارته ثقلها من هذه الحياة العادية التى كانت لا تزال مفتوحة.
ومن أصدقائه يستعيد الصحفى صورة أخرى للجرى نفسه، فقد كان مود يخرج مع صديقه كيم إلى جسر سيدنى لانيير، يؤديان تمارين الإحماء ثم يقطعانه ذهابًا وإيابًا، يحافظان على إيقاعهما، ويدفع مود صاحبه أحيانًا إلى مزيد من الجهد، وفى أوقات أخرى يقنع رفاقه بالجرى حول بحيرة فى متنزه، هذه الرحلات التى لا تحمل خبرًا استثنائيًا تمنح النص ذاكرة للحركة؛ فالأقدام التى تظهر فى المطاردة سارت من قبل إلى أماكن يملؤها الأنس، وكان صاحبها يجد من يرافقه ويعرف طباعه.
وفى علاقته بأخته وكلبها الصغير مساحة إضافية لا تصل إليها كاميرا الشارع أو مشهد القتل، فقد كان يلعب معه طويلًا ويساعد فى رعايته، حتى اعتاد الحيوان النوم عند قدمى سريره عندما تغيب أخته جاسمين، تتجاور هذه الصورة مع صورة اللاعب الصلب دون حاجة إلى تفسير، ويأخذ القارئ وقته بينهما، ويصبح اسم «مود» مألوفًا تماما، وتبدو العودة إلى الاسم الكامل فى أخبار القضية عودة إلى لغة أشد برودة من لغة البيت.
رسالة إلى كاتب يعرف معنى الفرصة الثانية
كانت بداية التكليف الصحفى أبعد ما تكون عن مشهد تحقيق ميدانى تقليدى، ففى مايو ٢٠٢٠، كان جاكسون ينتظر رأى وكيله الأدبى فى مقدمة رواية، حين وصلته رسالة من المحرر رايان داغوستينو تقترح الكتابة عن أربيرى لـ«رانرز وورلد»، تردد الصحفى أولا، ثم شكك فى ملاءمته لأنه لا يعد نفسه عدّاءً حقيقيًا، ثم أقنعه داغوستينو و«ليا فليكنغر»، صاحبة فكرة المشروع ومحررته الرئيسية، وبحسب مقابلته فى ٦ يوليو ٢٠٢١ مع تشيب سكانلان فى «نيمان ستوريبورد»، استغرق العمل نحو ثلاثة أسابيع، تضمنت أيام كتابة من عشر ساعات إلى أربع عشرة ساعة فى منزله بهارلم بمدينة نيويورك أثناء الجائحة.
جاء جاكسون إلى التكليف الصحفى وفى رصيده رواية «سنوات البقايا» وكتاب «حساب البقاء»، وتجربة كتابة شديدة الارتباط بأسرته وبيئته، وتذكر سيرته لدى مؤسسة بوليتزر جوائز أدبية وزمالات سبقت تكريمه الصحفى، لذلك لم يكن اكتشافه لأربيرى اكتشاف كاتب لصوت جديد تمامًا؛ فقد وجد فى حياة الشاب أسئلة اشتغل عليها من قبل، لكن صار عليه هذه المرة أن يحملها إلى جمهور مجلة رياضية.
فى مقابلة مع جامعة ولاية أريزونا بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢١، تذكّر جاكسون حلمه القديم بأن يصبح لاعب كرة سلة محترفًا، ثم عودته إلى موهبته فى الكتابة بعد السجن، كما شرح لماذا كشف عن جوانب محرجة من ماضيه داخل قصة أربيرى، فقد أراد أن يستخدم نفسه درعًا لشاب لم يعد يستطيع الدفاع عن نفسه، فى مواجهة من قد يستغلون أخطاءه لتقليل استحقاقه للتعاطف.
يفعل جاكسون ذلك فى النص عند نقطة بالغة الحساسية، فيذكر أن أربيرى اعتُقل لحمل سلاح ووُضع تحت المراقبة القضائية، ثم يذكر هو اعتقاله وبحوزته مخدرات وسلاحًا، وقضاءه ستة عشر شهرًا فى السجن، ويتوقف قليلًا ليكتب: «مود، يا إلهى، لماذا؟، ميت، وأنا، بفضل الله، كاتب وأستاذ جامعى أندفع نحو منتصف العمر».
هنا يتجاوز جاكسون حضوره الشخصى التعريف بالمؤلف، فيضع أمام القارئ رجلين تعثرا، ثم يسأله، من خلال مصيريهما، عن الفرصة التى سُمح لأحدهما بأن يعيشها وحُرم الآخر منها، ولا تتحول الحكاية إلى مذكرات جاكسون لأنه يعود سريعًا إلى مود، لكن اعترافه يغيّر موقعه من الشخصية التى يكتب عنها، ويجعل المسافة الأخلاقية بين الصحفى وموضوعه جزءًا ظاهرًا من القصة الصحفية.
كان جاكسون قد حوّل بالفعل تجربته فى بورتلاند إلى مادة أدبية قبل هذا التكليف الصحفى، فروايته الأولى نالت جائزة «إرنست جيه غينز» للتميز الأدبى، ووصلت إلى قوائم نهائية لجوائز أخرى، وفق سيرته المنشورة لدى بوليتزر، وحين انتقل إلى الكتابة عن أربيرى حمل معه خبرة فى الإصغاء إلى اللغة اليومية، وفى تتبع ما تفعله الظروف الاجتماعية داخل الأسرة والفرد، غير أن القرابة بين التجربتين لم تمنحه معرفة تلقائية بالشاب؛ فقد ظلت السيرة تحتاج إلى من عاشوا معه، وظل الماضى الذى يشتركان فى بعض ملامحه مدخلًا للفهم، لا بديلًا عن السؤال والتحقق.
وفى محاضرة نقلتها جامعة ولاية تينيسى الوسطى فى أكتوبر ٢٠٢١، عاد جاكسون إلى فكرة مراجعة الحياة وإمكان تغيير مسارها، فقد كان يستطيع أن يتحدث عن نفسه بعد السجن بوصفه كاتبًا وأبًا وأستاذًا؛ أما الشاب الذى كتب عنه فقد توقفت حياته قبل أن يعرف ما يمكن أن يصير إليه.
ساعتان داخل الحكاية
تبدأ الساعة الأولى عند الواحدة وأربع دقائق: منزل قيد الإنشاء فى ساتيلا شورز (حى سكنى يقع فى ضواحى مدينة برونزويك الساحلية فى ولاية جورجيا)، يدخله أربيرى ويتطلع حوله، من دون أن يلمس مواد البناء، وتنقل القصة الصحفية عن صاحب المنزل تأكيده أن شيئًا لم يُسرق أو يتضرر خلال الزيارات التى سجلتها الكاميرات، لا يترك الكاتب الشبهة معلقة بوصفها حقيقة، بل يراجع أساسها قبل أن يواصل تتبع المطاردة، ثم الواحدة وثمانى دقائق: يخرج ويجرى، ويتسلح جريجورى ماكمايكل وابنه ترافيس وينطلقان خلفه، وعند الواحدة وعشر دقائق، تنضم شاحنة وليام «رودى» برايان إلى المطاردة، تقترب الساعة من الواحدة وأربع عشرة دقيقة، ويصبح الطريق إلى البندقية أقصر.
أما الساعة الثانية فتمتد سنوات: صداقة الطفولة مع أكيم بيكر، ولعب الكرة، وإصابة الركبة، وخيبة الجامعة، والحب الأول، فكلما ضغطت المطاردة على صدر القارئ، فتح الكاتب نافذة إلى تلك السنوات السابقة عليها، فنحن -كقراء- نعرف النهاية، ومع ذلك نواصل القراءة؛ لأن السيرة تضيف فى كل عودة شيئًا جديدًا صار مهددًا بالفقد.
وعن هذا الإيقاع، يوضح جاكسون أثناء مقابلته مع تشيب سكانلان فى «نيمان ستوريبورد» أنه استفاد من تحقيق «نيويورك تايمز» المصوّر، ومن وثائق الشرطة والطب الشرعى التى أمدّه بها الصحفى المحلى لارى هوبز، إلى جانب شهادات المقربين، وهكذا اجتمعت مادة التوقيت مع مادة السيرة، بدل أن يحاول مصدر واحد حمل الحكاية كلها.
تمنح التسجيلات القصة الصحفية مواضع التوقف والانطلاق، وتمنحها الشهادات وجوه الأشخاص وعلاقاتهم، ويعمل ترتيب الفقرات على إبقاء الاثنين متجاورين، فحين نقرأ عن مراوغات لاعب الكرة فى الماضى، ثم نراه يحاول الإفلات من الشاحنات، تتغير دلالة الحركة نفسها: جسد اعتاد الجرى فى اللعب صار يجرى لينجو!
لم تكن المسافة بين منزله فى هارلم وشوارع جورجيا تُقطع بالمكالمات وحدها، ففى حديث لاحق إلى «هايدنز فيرى ريفيو» نشر بتاريخ ٧ فبراير ٢٠٢٢، روى جاكسون أنه شاهد مقاطع كثيرة عن الجزر الذهبية، باحثًا عن شكل نهر ساتيلا ولونه وصوته، وكان عليه أن يتعرف إلى المكان الذى سيصفه؛ إلى الماء خلف المنزل قيد الإنشاء، وإلى المشهد المحيط بالطريق الذى عبره الشاب.
ومع ذلك، تبقى مساحة لا تستطيع التسجيلات كشفها: ما الذى دار فى ذهن مود؟ يكتب جاكسون عند دخوله المنزل: «ربما يتساءل كيف سيبدو المنزل بعد اكتماله. وربما يتخيل أسرة تستطيع تحمّل كلفة العيش فى مكان قريب إلى هذا الحد من الماء». يقول «ربما» لأنها تعلن أن أمامنا احتمالًا يتصوره الصحفى، لا شهادة ثابتة عن أفكار رجل مات.
وبهذا التناوب، وباستخدام المضارع فى مقاطع المطاردة، تتباطأ القراءة عند مواضع الخطر، ويصبح الانتقال من فقرة إلى أخرى انتظارًا ثقيلًا، وتتحول الاثنتا عشرة دقيقة من مقدار زمنى إلى مساحة تستطيع القصة الصحفية أن تجعلنا نشعر بما سُلب داخلها.
من يملك الشارع؟
كان يمكن لمجلة عن الجرى أن تكتفى بتأبين عدّاء قُتل، لكن القصة المنشورة فيها تراجع السؤال الذى تقوم عليه علاقتها بقرائها: من يستطيع أصلًا أن يخرج للجرى مطمئنًا؟ لا يعامل جاكسون الجريمة كواقعة غريبة سقطت على رياضة محايدة، بل يعود إلى تاريخ الهرولة الحديثة، وصورتها الاجتماعية، وحدود الحركة أمام الأمريكيين السود.
يستعيد دور المدرب بيل باورمان، أحد مؤسسى «نايكى»، فى نشر الهرولة بالولايات المتحدة فى الستينيات، ثم يضع ذلك إلى جوار الفصل العنصرى والتمييز السكنى، وعلى مستوى الحكاية المحلية، يقارن بين ساتيلا شورز ومنزل أربيرى القريب منه؛ فالمسافة قصيرة، لكن الفارق فى الدخل والفرص يجعل العبور بينهما محمّلًا بمعانٍ لا تظهر على خارطة الطريق.
هذا الاتساع لا يقطع السيرة، لأنه يعود منها وإليها، فمود كان يجرى بالفعل، لكنه لم يكن يعيش الجرى بالطريقة التى قد يتوقعها قارئ المجلة، ولم يكن النص يملك دليلًا على استعداده لماراثون أو انشغاله بتحسين زمنه الشخصى، فقد كان يجرى بملابس مختلفة، ومع أصدقائه أحيانًا، ويجد فى الحركة متنفسًا.
يكتب جاكسون: «كان أحمود أربيرى، بحسب جميع الروايات، يحب الجرى، لكنه لم يكن يصف نفسه بأنه عدّاء. وذلك قصور فى ثقافة الجرى»، ثم يوجه أسئلته إلى القارئ: «من يستحق أن يجرى؟ ومن يملك الحق؟». تُحدث الجملة الأولى شرخًا فى التصنيف المريح؛ فممارسة الرياضة لا تكفى، على ما يبدو، ليشعر صاحبها بأنه ينتمى إلى عالمها.
تمنح هذه المخاطبة القصة الصحفية طابعها المختلف، فالقارئ الذى اعتاد أن يسأل عن الحذاء والسرعة والمسافة يجد نفسه أمام حق غير متكافئ فى الحركة نفسها، ولا يبقى اسم المجلة مجرد مكان للنشر؛ يصبح «عالم العدّائين» موضوعًا للفحص، من خلال إنسان أحب الجرى وانتهى مقتولًا فى الطريق.
وعندما يبلغ الكاتب الصحفى مشهد إطلاق النار، تكون التفاصيل السابقة قد غيّرت طريقة تلقّيه، فنقرأ الصراع على البندقية وسقوط مود، لكننا نحمل معنا الفتى الذى قاوم إصابة الركبة، والحبيب الذى فتح الباب لحبيبته شينيس، والأخ الذى كانت جاسمين ستتصل به إذا وقعت فى مشكلة، لذلك لا تستطيع صورة الموت أن تطرد صور الحياة التى سبقتها.
حياة أبعد من الفيديو
بعد خمسة أيام من النشر، أدرجت منصة «لونغريدز» القصة ضمن اختيارات محرريها، فى ٢٣ يونيو ٢٠٢٠، وفى ١١ ديسمبر من العام نفسه، قدّم برنامج «ذيس أمريكان لايف» فى الحلقة رقم ٧٢٦، معالجة مقتبسة منها بعنوان «بقية حياته»، ضمن حلقة «خمسة وعشرون»، فى فقرة مدتها ست عشرة دقيقة، حيث كان النص قد بدأ يعبر من المجلة المتخصصة إلى دوائر أخرى من القراءة والاستماع.
ثم جاء التكريم المهنى فى يومين متتاليين، بعدما أعلنت الجمعية الأمريكية لمحررى المجلات فى ١٠ يونيو ٢٠٢١ فوز «رانرز وورلد» عن القصة بجائزة الكتابة الصحفية المطوّلة ضمن جوائز المجلات الوطنية، وفى اليوم التالى، فاز جاكسون ببوليتزر فى الفئة نفسها، ووصفت لجنة بوليتزر العمل بأنه جمع «الكتابة الحية والتقصّى الصحفى المتعمق والتجربة الشخصية» لإضاءة العنصرية البنيوية فى أمريكا.
اهتم موقع «بوينتر» بفوز الكاتب المستقل، بينما خصصت «نيمان ستوريبورد» للقصة مقابلة وقراءة مشروحة لبنائها، ومع انتقالها إلى هذه القراءات المهنية، برزت الطريقة التى التقت بها قوة الكتابة بعمل التحقق وبموقف المؤلف من موضوعه.
أما العدالة فكان لها مسارها القضائى المنفصل، ففى ٢٢ فبراير ٢٠٢٢، أعلنت وزارة العدل الأمريكية إدانة الرجال الثلاثة اتحاديًا بجرائم كراهية ومحاولة اختطاف، بعد إثبات استهداف أربيرى بسبب عرقه، وكانت القصة قد نُشرت قبل هذه النتيجة بنحو عشرين شهرًا، فيوم كتبها جاكسون، كانت القضية لا تزال مفتوحة، وكانت سيرة الشاب تتوزع بين الأخبار والاتهامات والتسجيلات؛ فجمعها من الذين عرفوه، وأعاد إلى الاسم تفاصيل لم تكن تنتظر حكمًا قضائيًا لكى تستحق أن تُروى.
تبقى أكثر صفحات القصة الصحفية التصاقًا بالذاكرة تلك التى يستعيد فيها جاكسون ما قد يبدو زائدًا على خبر الجريمة: حب مود للحلوى، وتوقيعه بطاقات أمه باسم «ابنك الصغير»، وخروجه بابنى أخيه فى عربتهما حتى يهدأا، كان يحلم بالعمل كهربائيًا وامتلاك شركة إنشاءات، ويتحدث عن الزواج والأبوة والسفر، فليست هذه قائمة فضائل؛ إنها ملامح وجود لا يمكن لشريط قصير أن يحتويها.
وقرب النهاية يكتب جاكسون: «كان أحمود أربيرى أكثر من مقطع فيديو واسع الانتشار. كان أكثر من وسم أو اسم فى قائمة ضحايا مأسويين»، ثم تتوالى الأشياء التى لا تكفى لتمثيله، إلى أن يصل إلى العبارة القصيرة المؤثرة جدا: «لقد. كان. محبوبًا»، وكان الصحفى من الذكاء ليمنح بهذه النقاط كل كلمة وقفة، كأن الكاتب يطلب من القارئ ألا يعبرها بالسرعة التى يعبر بها الأخبار.
ويتركنا جاكسون أخيرًا فى ملعب المدرسة، بعد خسارة مباراة، مع مود وزملائه ممسكين بأيدى بعضهم، يبكون نهاية موسمهم، يومها لم يكونوا يعرفون ما ينتظرهم، وبعد أن صار القارئ يعرف، يغدو ذلك الجهل بالمستقبل أكثر إيلامًا، فهناك، تحت الأضواء، يقف فتى كانت حياته لا تزال فى بدايتها؛ وقد أمضى صحفى آلاف الكلمات لكى نستطيع أن نراه واقفًا.