الجمعة 06-11-2026 04:53 خليل فاضل
يعود رجل إلى بيته بعد يوم طويل. لم تقع كارثة: تأخر فى الطريق، اختلف مع زميل، دفع أكثر مما توقع، وتلقى اتصالًا يذكّره بقسط مستحق. يسأله ابنه عن شيء يخص المدرسة، فينفجر فيه. تقول الزوجة: «هو إحنا عملنا لك إيه؟». يصمت قليلًا ثم يجيب: «أنا مش ناقص». مشهد متخيل، لكنه مألوف؛ سؤال بسيط يقع على نفس لم تعد تجد مكانًا لطلب جديد. نميل إلى تفسير هذه المشاهد باعتبارها سوء طباع: الناس بقت عصبية، محدش مستحمل حد. وفى الكلام شيء من الحقيقة، لكنه لا يشرح وحده ما يحدث. أحيانًا نرى لحظة الانفجار ولا نرى الساعات التى سبقتها، ولا الليالى التى نام فيها الإنسان وهو يحسب ما عليه، ثم استيقظ ليكمل الحساب.
فى الشارع المصرى أسباب كثيرة للاستنفار: ضوضاء تقتحم الكلام، وزحام يضيّق المسافة بين الأجساد، وانتظار لا تعرف نهايته، وخوف من التأخر أو فقدان فرصة. وحين يصل المرء إلى عمله، قد يجد أن المطلوب منه أن يبدأ فورًا، كأن الطريق لم يأخذ شيئًا من وقته وجهده. ثم يعود إلى بيت له مطالبه المشروعة أيضًا، وللضغط وجه جسدى نعرفه قبل أن نسميه: فك مشدود، وكتفان مرتفعتان، ونوم متقطع، ومعدة مضطربة. وقد يصاحبه تشتت وسرعة استثارة وصعوبة فى الاسترخاء. تشير منظمة الصحة العالمية إلى هذه الصلة بين الضغط وأعراضه النفسية والجسدية. لكن الناس غالبًا تقول: «أنا تعبان»، أو «سيبونى شوية»، ويظل سبب التعب أوسع من العبارة التى تصفه.
اقرأ أيضًا: أشرف قاسم: حسام حسن صاحب قرار مصيره.. وإمام عاشور لا يستحق الانضمام للمنتخب
هنا يلزم التمييز بين ضغط الحياة والصدمة النفسية. ليس كل يوم مرهق صدمة، ولا كل عصبية اضطرابًا نفسيًا. الصدمة بمعناها الإكلينيكى ترتبط بأحداث شديدة التهديد أو الترويع، وحتى من يتعرضون لها لا يصابون جميعًا باضطراب ما بعد الصدمة. التوسع فى التشخيص قد يطمس الفروق ويجعلنا نغفل ما يحتاجه كل شخص فعلًا. مع ذلك، يستحق الإنهاك اليومى أن يؤخذ بجدية من دون شهادة مرضية. الأم التى تعمل ثم تبدأ وردية البيت، والأب الذى يخفى خوفه من العجز المالى، والشاب الذى يرسل طلبات عمل ولا يتلقى ردًا، لا يحتاجون أولًا إلى محاضرة فى قوة الإرادة. يحتاجون إلى من يسمع وصف يومهم قبل أن يحكم على قدرتهم على احتماله، وقد تكون المفارقة المؤلمة أننا نضبط أنفسنا أمام من نخشاهم، ثم نفقد هذا الضبط أمام من نطمئن إلى بقائهم. يتحمل الموظف إهانة رئيسه، ثم يرفع صوته على طفله. وتكتم امرأة غضبها طوال النهار، ثم تدخل مع زوجها فى معركة بسبب طبق تُرك على المائدة. للطبق شأنه، لكن الخلاف يحمل أحيانًا تعبًا لم يجد كلامًا يعبّر عنه.
حتى الجلوس معًا لا يضمن أن نلتقى. يجلس أفراد الأسرة فى غرفة واحدة، وكل منهم يتابع شاشة، ثم يحاول أحدهم الكلام فلا يجد استجابة. يعيد السؤال بنبرة أعلى، فيأتى الرد غاضبًا. تبدأ المشادة من إحساس صغير بالتجاهل، ويتسع معناها سريعًا: «إنت عمرك ما بتسمعنى». عندها يحضر تاريخ العلاقة كله فى خلاف لم يتجاوز دقائق.
يمكن للبيت أن يتفق على فسحة قصيرة عند العودة؛ دقائق يبدل فيها القادم ملابسه ويشرب ماءه قبل فتح الملفات المؤجلة. ويمكن تأخير مناقشة المصروف أو مشكلة المدرسة إلى وقت يسمح بالإنصات. إجراءات صغيرة لا تلغى أسباب الضغط، لكنها قد تمنع أن يتحول استقبال يومى إلى محاكمة، أو أن يسمع طفل غضبًا أكبر من سؤاله. غير أن مطالبة الناس بالهدوء تظل ناقصة إذا بقيت حياتهم تستنزفهم بلا اعتبار. تنظيم الدور فى مصلحة، واحترام وقت المراجع، ووضوح موعد الخدمة، وإتاحة استراحة للعامل، أمور تمس الصحة النفسية أيضًا. حين يعرف الإنسان ما ينتظره، ويستطيع أن يسأل من غير إهانة، يقل جزء من العبء الذى يحمله إلى اللقاء التالي؛ وفى العيادة، يستحق السؤال عن النوم والعمل والطريق والديون مساحة إلى جوار السؤال عن الأعراض. وإذا استمر الأرق أو القلق أو الغضب وأفسد العمل والعلاقات، فالتقييم المهنى مهم. أما فى حياتنا اليومية، فلنتوقف عند عبارة «أنا مش ناقص»: ماذا امتلأ به هذا الإنسان؟ وماذا يستطيع أن يفعل، ونستطيع أن نفعل معه، حتى لا يدفع أحباؤه ثمن ما أرهقه؟