السبت 07-11-2026 05:26 رولا خرسا

«لا تعقد مع الله عقدًا ثم تنقضه. وعليك بصلة الرحم، فمن وصل رحمه وصله الله».

-ابن عربى- الفتوحات المكية.

شرحت فى المقال السابق ما فهمته من نصف الحكمة الأول وأكمل اليوم خواطرى بالنسبة للنصف الثانى:

«وعليك بصلة الرحم، فمن وصل رحمه وصله الله»

لماذا انتقل ابن عربى من العهد مع الله إلى صلة الرحم؟

هذا الانتقال عميق؛ لأنه يربط بين علاقتك بالله وعلاقتك بالبشر بل بأقرب البشر إليك: أهلك.

اقرأ أيضًا: قطع مياه الشرب عن قري في بني مزار وديرمواس بالمنيا.. المواعيد والأماكن

كأن المقصود من الحكمة أننا لا يجب أن نبحث عن القرب من الله فى عبادتنا وحدها، على حساب أقرب الناس إلينا.

إذ لا تنفصل معرفة الله عن التخلّق بالأخلاق التى دعا إليها الدين، ومنها الرحمة والوفاء والإحسان.

تستند الحكمة إلى الحديث النبوى الشريف:

«الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ اللهِ، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللهُ».

والشجنة هى العِرق المُتشابك: أصل «الشَّجْن» هو الشَّجَر المُلتفّ المُتشابك بعضه ببعض، وتسمى العروق المُتشابكة المتداخلة «شِجان» الواحد منها «شُجْنَة».

فالمقصود أن الرحم جزء متصل بالله سبحانه وتعالى، صلة قوية لا ينبغى قطعها، فمن وصلها وصله الله برحمته وفضله، ومن قطعها قطعه الله وحرمه من بره ولطفه.

ولنتأمل معًا هذا المعنى: نحن لم نختر كل أقاربنا، ولم نختر طباعهم، واختلافاتنا معهم. ومع ذلك، فالله يدعونا إلى صلة الرحم، ألا نجعل الخلاف يمحو كل أثر للرحمة.

أن أصل رحمى يعنى أن أحافظ على قيمة الرحمة، حتى عندما تكون العلاقة غير مثالية.

ما معنى «فمن وصل رحمه وصله الله»؟

هذه العبارة هى قلب الحكمة.

يمكن فهمها من خلال ثلاثة معانٍ مترابطة:

معنى القرب: أن الإنسان الذى يختار الرحمة والإحسان يسلك طريقًا يقرّبه من رضا الله.

معنى التجلى الأخلاقى: أن الرحمة التى يمارسها الإنسان مع خلق الله تصبح مجالًا يظهر فيه أثر إيمانه، بدل أن يظل الإيمان شعورًا داخليًا فقط.

معنى المعونة الإلهية: أن الله وعد بالإحسان إلى من يصل رحمه، كما جاء فى الحديث، من غير أن يعنى ذلك أن حياته ستخلو من المشكلات.

خلاصة القول: إنك حين تصل ما انقطع من روابط الرحمة، فإنك لا تصل إنسانًا فحسب بل تحاول أن تعيد الرحمة إلى موضع غابت عنه فى قلبك. فلتجعل علاقتك بالله وعدًا لا يغيّر سلوكك، ولا تجعل خلافك مع الناس سببًا لموت الرحمة فى قلبك. أوفِ بما عاهدت الله عليه، وصِل ما استطعت من روابط القرابة بالخير، فإن طريق القرب من الله لا ينفصل عن الصدق والرحمة والإحسان.

هذه الحكمة، لا تسأل الإنسان فقط: هل أنت قريب من الله؟ بل تسأله أيضًا: ماذا فعل هذا القرب فى قلبك، وفى الطريقة التى تعامل بها من تربطك بهم صلة؟.