السبت 07-11-2026 05:23 سيلڤيا النقادى
هناك شىء فى اليابان يشبهنى، أو ربما يمكنك أن تقول يشبه الطريقة التى أحب أن أعيش بها.. أتخيل شارعًا هادئًا فى كيوتو مثلًا.. رجلًا ينحنى قليلًا لمصافحة امرأة، ثم يبتعد بخطوات خفيفة، كأنما يخاف أن يفسد شيئًا جميلًا فى الهواء.. لا عناق طويلًا.. ولا أصوات مرتفعة.. ولا حركات تستأثر بالمشهد. مجرد تحية صغيرة، لكنها تقول ما يكفى.
أحب هذه اللغة التى لا تحتاج إلى كلمات.. لغة تنساب فى انحناءة الرأس، وفى حركة يد تشير إلى الطريق دون أن تلمس أحدًا، وفى ابتسامة خفيفة تأتى فى وقتها، ثم تختفى. أشعر أن وراء هذه التفاصيل فلسفة كاملة فى التعامل مع الآخرين.. فلسفة لا تجعل الإنسان مركز العالم، بل تذكره، برفق، بأنه ليس وحده فيه!!.
اقرأ أيضًا: قطع مياه الشرب عن قري في بني مزار وديرمواس بالمنيا.. المواعيد والأماكن
فى اليابان، لا تبدو الانحناءة مجرد عادة اجتماعية، إنها أشبه بجملة صامتة، تتغير معانيها بتغير المسافة بين شخصين.. انحناءة للامتنان، وأخرى للاعتذار، وثالثة تحمل احترامًا لا يحتاج إلى إعلان، حتى الوداع يمكن أن يكون مختلفًا، يد تلوح لصديق، ورأس ينحنى لشخص أكبر سنًا، ونظرة أخيرة ترافق من يمضى، كأنها تقول له شيئًا لا ينبغى أن يسمعه أحد سواه.
أحب هذه التفاصيل التى قد تبدو صغيرة.. أحبها، فى يد تمتد لتشير إلى شخص، وفى يد أخرى تنفتح بكامل كفها لتدعوه برفق. الحركة الأولى تحدد الآخر بإصبع، أما الثانية فتفسح له مكانًا. الفارق بسيط، لكنه يشبه الفارق بين أن نرى الناس أمامنا، وأن نراعى شعورهم.
هذه الثقافة تحرص على ألا نثقل على الآخرين بوجودنا... فى قطار مزدحم، يخفض الناس أصواتهم، ويتحركون بحذر، ويتركون مساحة صغيرة لمن يريد المرور، لا أحد يعلن أنه يفكر فى راحة الآخرين، يحدث هذا الأمر فى هدوء، كأن مراعاة الغير جزء طبيعى من التنفس، يسمون ذلك فى اليابان «أومويارى»، أى أن تتخيل شعور الآخر قبل أن تتصرف.. أن تنتبه إلى ما قد يحرجه، وأن تفهم حاجته دون أن تضطره إلى طلبها، وأن تعرف أحيانًا متى تقترب، ومتى يكون الابتعاد أكثر لطفًا... الرقة هناك ليست بالضرورة فى الكلام، بل فى الحركة التى تسبقها، وفى الصمت الذى يأتى بعدها. أن يكون الاحترام مرئيًا دون أن يتباهى بنفسه، وأن يحمل الاعتذار معنى حقيقيًا قبل أن تنطقه الشفاه.
أتخيل نفسى فى نهاية يوم طويل، أمام باب خشبى فى بيت يابانى، أخلع حذائى وأترك العالم فى الخارج. ينحنى صاحب البيت مودعًا، فأبادله الانحناءة، ثم يمضى كل منا فى طريقه، لا حاجة إلى كلمات كثيرة، هناك أشياء يكفى أن نشعر بها كى نفهمها!!!.
وربما، هذه إحدى أمنياتى الصغيرة، أن نتعلم كيف نقول أشياء أكثر، بحركات أقل، وأن نترك فى قلوب الآخرين أثرًا رقيقًا، مثل انحناءة عابرة، أو ابتسامة خافتة لا يبقى منها شيء فى الهواء، بينما يظل معناها طويلًا!!.