السبت 07-11-2026 05:16 أحمد جمال الدين موسى
تناولت فى مقال السبت الماضى أهمية تنمية القدرات الاقتصادية لمصر، ليس فقط لرفع مستوى معيشة المواطنين وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وإنما أيضًا لضمان استمرارية ريادتها الفكرية والثقافية والعلمية، وهى ما يطلق عليها باختصار مقومات القوة الناعمة.
وقد عرضت لأهمية البعثات التى كانت سابقًا عاملًا جوهريًا فى تحقيق السبق لمصر، فظهر من مطالعة الأرقام الإحصائية تواضع حجمها ومردودها حاليًا. الاستثمار الكثيف لبعض الدول التى أشرنا لها فى الابتعاث الخارجى جاء مدفوعًا برغبة قوية فى تحقيق طفرات فكرية ومؤسسية وتقنية تقفز بها إلى مقدمة المشهد العالمى. ويجد تمويل هذا الاستثمار الكثيف مصدره فى التحسن الواضح فى الأوضاع الاقتصادية لتلك الدول فى العقود الأخيرة. وهناك دول أخرى تنشط فى هذا السباق، لكننى اكتفيت بالإشارة إلى أبرزها، كما أن هناك مجالات أخرى تتأثر بالوضع الاقتصادى مثل ازدهار صناعة السينما وصناعة النشر والمنصات الإعلامية على سبيل المثال.
اقرأ أيضًا: قطع مياه الشرب عن قري في بني مزار وديرمواس بالمنيا.. المواعيد والأماكن
باختصار ما أحاول بيانه، هو وجود علاقة سببية – على الأقل فى الزمن الطويل - بين القدرة الاقتصادية للدولة وريادتها الثقافية والعلمية. هى بالتأكيد ليست علاقة سببية مطلقة أو جامدة، إلا أنه ليس من الحكمة أن نتجاهلها لا سيما وقد ثبتت صحتها تاريخيًا. لذا فإن مصر فى اعتقادى مطالبة بقوة وسرعة بتحسين قدراتها الاقتصادية، بخاصة الصناعية والتكنولوجية، لتحتفظ بقوتها الناعمة وتنميها، وإلا خاطرت، ولو بشكل تدريجى بطىء، بأن تجد نفسها وقد سُحب البساط من تحت أقدامها.
أود الآن الإشارة إلى مجالين آخرين مهمين لا غنى عن الاستثمار فيهما بكثافة لتحقيق الريادة وهما البحوث النظرية والتطبيقية، وبناء مراكز البيانات العملاقة. تُظهر البيانات أن الولايات المتحدة الأمريكية تنفق سنويًا على البحث العلمى نحو ٨٥٠ مليار دولار أمريكى (نحو ٣.٤٪ من الناتج المحلى الإجمالى). وتنفق الصين نحو ٧٠٠ مليار (٢.٧٪ من الناتج المحلى) والهند نحو ٧٠ مليارًا (٠.٧٪ من الناتج المحلى)، بينما تنفق السعودية نحو ٨ مليارات (٠.٨٪ من الناتج المحلى). أما مصر فتنفق نحو ٣ مليارات دولار (٠.٩٪ من الناتج المحلى). تفيد هذه الأرقام أن الولايات المتحدة والصين تنفقان وحدهما أكثر من ٥٠٪ من إجمالى الإنفاق العالمى على البحث العلمى، بينما يشكل الإنفاق المصرى نحو ٠.٣٥٪ من الإنفاق الأمريكى ونحو ٠.٤٢٪ من الإنفاق الصينى، وأقل من ٧٪ من الإنفاق الهندى، ونحو ٣٧٪ من الإنفاق السعودى.
وتستدعى الأرقام السابقة ثلاث ملاحظات مهمة: الأولى أن القطاع الخاص، لا سيما الشركات العملاقة، يلعب فى الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضًا فى الصين والهند، الدور الأكبر فى تمويل البحوث العلمية، وهذا الدور شبه غائب فى مصر رغم أهميته فى ظل الضغوط التى تتعرض لها الموازنة العامة. والثانية أن معظم اعتمادات البحث العلمى للجامعات ومراكز البحث العلمى تخصص لبند المرتبات والأجور والمكافآت والمصاريف الإدارية، فما يذهب فعليًا لتمويل البحوث والأجهزة التى تتطلبها هو نسبة محدودة من الاعتمادات. الملاحظة الثالثة هى وجود فجوة كبيرة ومزمنة بين البحوث النظرية ومردودها التطبيقى. لقد حقق الباحثون المصريون مؤخرًا طفرة كبيرة فى النشر الدولى واحتلوا المرتبة الأولى أفريقيًا، لكن المؤلم أن تأثير ذلك على الصناعة المصرية محدود للغاية. هل ذلك ناجم عن استغراق تلك البحوث فى التناول النظرى وإغفال تطبيقاتها العملية؟ أم راجع لعدم ثقة مجتمع الأعمال فى الأكاديميين المحليين وقدرتهم على تقديم إسهامات تطبيقية جادة؟ أم أن رأس المال المحلى يرفض المخاطرة وتبنى الابتكارات وبراءات الاختراع الجديدة ويستسهل تبنى الحلول التقنية الجاهزة المستوردة من الخارج؟ أم أن الجهات الرسمية قد قصّرت فى خلق بيئة وسيطة وآليات عملية قادرة على تجسير الفجوة بين قطاعى البحث العلمى والأعمال؟ أم أننا لا نقدم فى مصر حوافز ضريبية وقانونية جذابة لتشجيع الشركات على تطوير قدراتها البحثية الذاتية كما تفعل دول مثل أمريكا وكوريا؟!.
ثروة أغنى رجال الأعمال فى أمريكا مثل «إيلون ماسك» و«بيل جيتس» و«مارك زوكربيرج» جاءت من الابتكارات التقنية والتحديث التكنولوجى المستمر، على حين حقق كبار الأغنياء عندنا ثروتهم من عملهم فى قطاعات المقاولات والتطوير العقارى والتوكيلات التجارية، فهل ذلك يفسر اختلاف المواقف من الإنفاق على البحث العلمى؟!.
ننتقل الآن لمجال جديد ينمو بسرعة مهولة ومن المتوقع أن يصبح العامل الأكثر تأثيرًا فى مجال القوة الناعمة فى العقود والقرون القادمة وهو الذكاء الاصطناعى الذى يتطلب بنية تحتية رقمية شاملة بما فى ذلك مراكز البيانات فائقة السرعة وإنتاج شرائح الحوسبة المتقدمة. والسؤال هو أين نحن مما يجرى فى هذا المجال؟.
بالاعتماد على قدراتهما الاقتصادية الكبيرة تخوض كل من أمريكا والصين سباقًا ضاريًا لانتزاع الصدارة عالميًا وتتبعهما أوروبا واليابان والهند. وفى منطقتنا قررت السعودية ضخ استثمارات تتجاوز ١٠٠ مليار دولار، وحذت الإمارات حذوها بعشرات المليارات، ووقعتا اتفاقيات مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية وأنشأتا كيانات كبرى لإدارة هذا الملف تجمع بين جهود الحكومات والقطاع الخاص. أى تأخير من جانبنا فى هذا المضمار سيكون له انعكاسات سلبية على مستقبلنا، ففى عصر الذكاء الاصطناعى، مستقبلًا لن تكون القوة الناعمة لمن يملك أكبر عدد من المتحدثين باللغة، بل لمن يملك القدرة على رقمنتها وتطويرها ونشرها عبر الوسائط التقنية. لذلك، وحتى لا أطيل، أعتقد أنه لا مفر أن تكون خطوتنا الأولى اليوم هى تخطى الانشغال بالبنية التحتية المادية إلى الاستثمار الإنتاجى البشرى والتكنولوجى.