الاثنين 02-11-2026 05:02 طارق الشناوي
الشهرة، وما أدراك ما الشهرة، تأتى لمَن يستحق مرة، وفى المقابل من الممكن أن ينالها مَن لا يستحق عشر مرات. من بين التوصيات التى أقرها (منتدى مصر)، فى الشأن الثقافى، البحث عن المواهب الجديدة. هل الأمر ينتظر قرارا أم أنه أمر طبيعى أن يتم الدفع دائما بوجوه جديدة وفى كل المجالات؟!. عرفت مصر مثلا فى مجال كرة القدم (عبده البقال)، كان يجوب أنحاء مصر لاكتشاف الموهوبين فى الحوارى والأزقة. آخر اكتشافاته الخطيب وثابت البطل. الأهلى ينفق حاليا ملايين الدولارات على لاعبين محدودى الموهبة، يصبحون عبئا على ميزانيته، لا يحققون أى إنجاز على المستطيل الأخضر، وعندما يتم إنهاء عقودهم يتكبد النادى مجددا أرقاما طائلة لأن مَن تعاقد معهم لا يملك عين رؤية الخبير (عبده البقال)!!.
على الصعيد الفنى، عرفت مصر رجلا عظيما آمن بالفن الشعبى، كان يلف القرى والنجوع معتليا ظهر حمار، بحثا عن هؤلاء، وقدم العديد منهم للحياة الفنية، خضرة محمد خضر وبدارة السيد وأبودراع وفاطمة سرحان، وغيرهم. كان الكاتب الكبير محمود السعدنى كثيرا ما يشيد به وكيف أنه تحمل الكثير من أجل تحقيق رسالته التى نذر لها حياته، يعتبره من أساتذته الكبار الذين تعلم منهم، يضعه مع كل من كامل الشناوى وبيرم التونسى ومأمون الشناوى.
اقرأ أيضًا: ما الفرق بين العفو والعافية؟.. البحوث الإسلامية يوضح
من بين الذين قدمهم الحجاوى، المطرب محمد طه، فى مطلع الستينيات، صار هو الأشهر فى دنيا الغناء الشعبى، بتلك الجملة التى كان يبدأ وينهى بها مواويله (ع الأصل دَوَّر)، وكالعادة عندما تقدم للحصول على موافقة نقابة الموسيقيين رفضوه لأنه لا يحمل أى شهادة. أقام دعوى قضائية طلب منه القاضى الدفاع عن نفسه وأحقيته فى الالتحاق بالنقابة، وارتجل قائلا: (أنا فى محكمة العدل/ أصل العدل للعادل/ أنا اسمى عدل الكرام محمد طه/ أبونفس عالية/ ما يوم وطّاها)، ومن بعدها تم اعتماده، وكان كالعادة ورقة رابحة سينمائيا، وهدفا لعشرات الأفلام.
لى موقف واحد مع محمد طه، مطلع التسعينيات، اتفقت مع عمرو دياب ولطيفة وهانى شنودة وغيرهم على المشاركة المجانية فى حفل تقيمه نقابة الصحفيين، وقررت أن أضيف إليهم محمد طه. الكل رحب، وأيقنت أن طه أيضا سيرحب، إلا أنه لقننى درسا، قال لى: «نعم، موافق، ولكن (ثم يا أستاذ شناوى ثم)»، قلت له إن مجلس نقابة الصحفيين سوف يمنحك فى نهاية اليوم شهادة تقديرية، وعندما لاحظ أننى لم أستوعب ما الذى يقصده بـ(ثم)، قالها مباشرة: «هل أقدم للفكهانى والجزار- عندما أشترى كيلو مانجة أو لحمة- صورة من الشهادة؟!، قائلًا: الأستاذ شناوى وباقى أعضاء النقابة ممتنون لك، بينما هو ينتظر أن يمسك فى يده الجنيهات».
اكتشاف المواهب يحتاج إلى عين وأذن قادرة على الفرز وأيضا ينبغى توفير ميزانية لرعاية هؤلاء الموهوبين وتعليمهم وتثقيفهم. كان زكريا الحجاوى، فى الخمسينيات، يقدم المواهب الشعبية التى تحقق ذروة نجاحها، بدون الحاجة إلى إمكانيات مادية تذكر، بينما أغلب المواهب الفنية هذه الأيام تحتاج إلى توافر ميزانية للدفع بها بعد سنوات من الرعاية والتثقيف.
أنشأ الموسيقار محمد الموجى مدرسة فنية تحمل اسمه، قدمت منذ منتصف الخمسينيات للحياة الفنية العديد من الأصوات مثل محرم فؤاد وعبداللطيف التلبانى وماهر العطار وشريفة فاضل ومها صبرى وصولا إلى هانى شاكر وغيرهم. نحتاج إلى هؤلاء المكتشفين القادرين على التقاط المواهب، وإلى رصد ميزانية حتى يستكملوا الطريق، فهل حقا نحن جادون؟!!.