الاثنين 02-11-2026 05:01 فاطمة ناعوت

أحمقُ مَن يظنُّ أن هدمَ بيت جاره سوف يُثبّت أعمدة بيته، ويُرسّخ أساساته. يقول قانونُ البناء إن هدمَ بيتٍ قد يُخلخل التربةَ، ويُعرّض البيوت المجاورة لخطر التصدّع والانهيار. لا عاقلَ يُحصّن بيتَه بتقويض بيوت الآخرين، فلا سلامة لإنسان وسط خراب جيرانه. فالبيوتُ، كما البشر، لا تنجو فرادى؛ إنما تتساند لتتقوّى، أو تتهاوى معًا.

من العبث اختصامُ البشر حول الطريق إلى الله. فالسماءُ ليست ساحةً تتنافسُ فيها الأبواب، والخالق العظيم قد وسعت رحمتُه «كلَّ شىء»، وما ضاقت حكمتُه عن استيعاب اختلاف عباده. لغاتُ القلوبِ التى ترفع نجواها إلى السماء، ملتمسةً الرحمة والغفران والنور، لا حصر لها. الله واحدٌ أحد، مهما اختلفت الصلوات، وتباينت الطقوس، وكذلك القلب البشرى، فى جوهره، واحدٌ فى حاجته إلى الطمأنينة، وفى توقه إلى الرحمة والمحبة والخلاص. أجمل ما فى الإيمان أنه يحررنا من الخوف، ويفتح نوافذ الروح لنحبَّ جميع خلق الله. الُله واسعٌ، والطريقُ إليه رحبٌ لا متناهٍ، لا يحتكره أحدٌ، ولا يضيّقه أحدٌ على أحدٍ.

اقرأ أيضًا: ما الفرق بين العفو والعافية؟.. البحوث الإسلامية يوضح

ذات مساء طيب، قبل سنوات عديدة، شهدتُ مشهدًا فاتنًا، ظلّ محفورًا فى ذاكرتى، جمع بين صلاتين من كتابين مقدسين، على خشبة مسرح مصرية واحدة. فى حفل تدشين مجلةٍ كنتُ مديرَ تحريرها، دعوتُ اثنين من أحب فنانى مصر إلى قلبى: أحدهما مطرب استثنائى، ذو حنجرة عزّ نظيرها، والثانى موسيقار استثنائى، سابقٌ عصره. كلاهما مثقف العقل، رفيع الخلق. فى ختام الحفل، أمسك المطرب الميكروفون ليشدو، فسارع الموسيقار الكبير وصعد إلى المسرح ليعزف له، وهو مؤلف موسيقى كبير. فما كان من المطرب المسلم إلا أن ختم أغنياته بالصلاة الربّانية تحيةَ لصديقه الموسيقار المسيحى. «أبانا الذى فى السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا فى تجربة، لكن نجّنا من الشرير. لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين».

فما كان من الموسيقار المسيحى إلا أن سارع واختطف الميكروفون من يد صديقه، ثم قرأ فاتحة الكتاب: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين». كلاهما اختتما الجمال بقولة: «آمين». فالله تعالى واحدٌ مهما تعددت زوايا النظر إليه، ومهما تباينت طرائق الوصول إليه. اشتعل تصفيق الجمهور، إذ وصلته رسالةُ الصديقين المثقفين. الله نورٌ صافٍ خالصٌ، يسعى إليه البشرُ عبر دروب عديدة، كلٌّ وفق معتقده.

المطربُ الجميل هو «سمير الإسكندرانى»، والموسيقار الجميل هو «هانى شنودة». خيوطٌ عديدة تجمعُ بين هذين الهرمين الشاهقين. زميلا مهنة راقية ورفيقا مشوار طويل، التقيا على النغم العذب والفن الرفيع. والأهم أنهما مصريان. ولدا فوق هذه الأرض المباركة، وكبرا فى حضنها الواسع. هى الأمُّ الطيبة التى تتسعُ لجميع أبنائها ولا تفرق بينهم، بينما نحن، بغفلتنا، الذين نُفرّق! ارتويا من نيلها الخالد، وأكلا من ثمرها الحلو، الذى أطعم من قبلهما الأنبياء والرسل عليهم جميعًا السلام. وآوتهما غصونُ أشجار حنون، آوت من قبلهما أطهرَ نساء الأرض، العذراء البتول مريم وطفلَها، رسول المحبة والسلام، عليهما السلام. أما أقوى تلك الخيوط، فهو كونهما «إنسان». قيمةٌ عليا أن تكون إنسانًا. فالإنسانية هى المظلّة الواسعة التى تجمع البشرية، على اختلاف أديانها ومعتقداتها وألوانها وثقافاتها.

مقالى ليس دعوة إلى محو الاختلاف، بل إلى احترامه وتوقيره، فهو ثراءٌ وغِنى. وليس مطالبة بالتساهل فى العقيدة ولا التفريط فى الإيمان، بل بتحريره من التعصب. أن تكون إنسانًا يعنى أن تعرف حدودَك، وتتأدب مع خالقك، فلا تنتحل لنفسِك مقامًا ليس لك، ولا تنصّب روحك قاضيًا على أرواح الآخرين وعقائدهم.

حين ندرك أننا بشرٌ، فقراءُ إلى الله، نتوق إلى خلاص أرواحنا من الدنس، لن نُدين الآخرين فى عقائدهم، ولن نصادر حقهم فى اختيار طريقهم. ليس من حق أحد أن يقول لأخيه: أنت كافر، وكأنه شقَّ عن قلبه، ولا أن يسم عقائدَ الآخرين بأنها (...)، [تعفّفَ قلمى ولم يقو على خط الكلمة المشينة التى قالها أحد الشخوص بالأمس]. فلا أحد يمتلك مفاتيح السماء. ولا أحدَ يملك إهانة إنسان أو استباحة كرامته. هو اللهُ، وحده لا شريك له، الذى يفصل بيننا برحمته وعدله. فلنلتقِ حول محبته، ونسكب أمامه قلوبنا، علّنا نحظى بغفرانه تعالى.

إذا كانت صلاتان طيبتان قد التقتا فى تلك الليلة فوق خشبة مسرح، فكيف يعجز أبناءُ الأرض الواحدة عن الالتقاء تحت صفحة سماء واحدة؟