الاثنين 02-11-2026 04:59 أنور الهواري
فى عام ١٩٦٤ حل موعد الاستفتاء الرئاسى، أى انتهت فترة الرئيس عبدالناصر التى بدأت مع دستور الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا ١٩٥٨. لكن جدول أعمال الرئيس كان مزدحمًا فى ١٩٦٤ فقرر تأجيل الاستفتاء على شخصه وعلى نفسه وعلى فترة رئاسته الجديدة إلى العام الذى لا يليه. لا شك أن هذا التصرف يتجاوز الحكم الفردى المطلق إلى منطق العزبة الخاصة، ولا شك أن الرئيس عبدالناصر كان يعلم ذلك، فلماذا فعل ما فعل وهو يعلم أنه لا يليق بمنطق الدولة؟. الرئيس فعل ذلك لأنه يعلم أنه أصبح هو الدولة، ولأنه يعلم أن الدولة باتت على يقين أن الأقدار قد منحتها رئيسًا ليس كمثله رئيس ولا يدانيه ولا يقترب منه رئيس ناهيك أن ينازعه أو ينافسه رئيس، كان عبدالناصر نجمًا مصريًا فى سماء السياسة العربية كما العالمية لأكثر من عشر سنوات متواصلة بين خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وكانت الدولة المصرية- فى ضميرها وروحها وتلافيف عقلها- تعتقد أن فرعونًا عظيمًا قد عاد إليها من الماضى السحيق ليقود خطاها إلى المستقبل البعيد. لم تكن عقيدة الدولة فقط هى سند الرئيس عبدالناصر بل كان للرجل سند وظهر وظهير بين الشعب بما يكفى لوجود مساحة من العشم ورصيد من المحبة وذخيرة من الثقة بين الرئيس وقطاعات كبيرة من الناس تجعلهم لا يتوقفون كثيرًا عند استحقاقات وفروض الدستور فيما يخص قرار الرئيس بتأجيل موعد الاستفتاء على نفسه.
لكن قبل عقيدة الدولة فى قائدها الفرعون العظيم، وقبل محبة وثقة وعشم قطاعات جماهيرية واسعة فى زعيمها المحبوب، قبل هذا وذلك كانت هناك مساحة أهم وأخطر وهى الجهد الخارق الذى بذله الرئيس عبدالناصر وضباط ٢٣ يوليو ١٩٥٢ فى استئصال المجتمع السياسى من أساسه واجتثاث الطبقة السياسية من جذورها وإخلاء مصر من كافة التكوينات السياسية التى تختلف فى كثير أو قليل مع توجهات الرئيس ونظام حكمه، لقد نجح عبدالناصر فى سحق المجتمع السياسى السابق عليه كما سحق المنافسين والخصوم الذين ساندوه فى أول الأمر.
اقرأ أيضًا: ما الفرق بين العفو والعافية؟.. البحوث الإسلامية يوضح
خلاصة الأمر: عندما يكون الرئيس هو الدستور فلا حاجة للسياسة ولا للمجتمع السياسى ولا حاجة للحريات السياسية إذ وجودها مثل عدمه فى حضرة الرئيس الدائم.