قفزت أسعار القردة المستخدمة في المختبرات داخل السوق الأمريكي من 3 آلاف إلى 20 ألف دولار بما يعادل نحو 570 في المائة خلال السنوات الأخيرة، فيما يسعى أحد المليارديرات المؤسسين لشركة "بالانتير" إلى انتهاز تلك الفرصة الاستثمارية بتربية 30 ألفاً منها داخل الولايات المتحدة.
وقالت منصة "مَوني وايز"، الأمريكية إن الشريك المؤسس للشركة "بالانتير" المدرجة في مؤشر "ناسداك" التكنولوجي، جو لونسديل، يدعم حالياً إحدى الشركات الناشئة التي تستهدف تربية عشرات الآلاف من القردة المخصصة للتجارب في مختبرات الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن تلك الخطوة تأتي في ظل نقص مستمر منذ سنوات، أدى إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، وأجبر الباحثين الطبيين على الاعتماد بشكل كبير على الموردين الأجانب.
اقرأ أيضًا: شركات الطيران الصينية الكبرى تتجه لخسائر سنوية مع ارتفاع تكاليف الوقود وضعف الطلب
ولاقت قضية قردة المختبرات اهتماماً واسعاً في عدد من الصحف والمجلات الأمريكية، حيث أفادت مجلة "فوربس" بأن الشركة الناشئة التي تحمل اسم "هيومان ميديسين"، قامت بجمع 28 مليون دولار منذ تأسيسها عام 2023. وتعتزم الشركة إنشاء منشأة للتربية في مدينة "بينبريدج" بولاية جورجيا، قد تستوعب في نهاية المطاف ما يصل إلى 30 ألفاً من "قردة المكاك" طويلة الذيل؛ وهي فصيلة تستخدم بكثرة في الأبحاث الدوائية نظراً لتشابهها البيولوجي مع البشر.
ولفتت "فوربس" إلى أن هذا النقص أدى أيضاً إلى قفزة هائلة في أسعار القردة المخصصة للأبحاث. فقد أشار الصحفي أولي ليمان في منشور له على منصة "إكس" إلى هذا الارتفاع، موضحاً أن الأسعار قفزت من نحو 3 آلاف دولار للقرد الواحد في عام 2019 إلى أكثر من 20 ألف دولار في الوقت الراهن.
وتكشف بيانات الأسعار التاريخية مدى حدة هذا الارتفاع في التكاليف؛ فحسب تقديرات شركة "إيفركور"، التي نقلتها صحيفة "واشنطن بوست"، ارتفعت تكلفة القردة التي توفرها شركة "تشارلز ريفر لابوراتوريز"، وهي مورد رئيسي للحيوانات المستخدمة في التجارب السريرية، من نحو 2500 دولار في عام 2019 إلى 22 ألف دولار في عام 2022.
وعزا الصحفي ليمان نقص المعروض من قردة "المكاك" إلى فترة جائحة "كوفيد-19"، حين فرضت الصين، التي كانت تعتبر مورداً رئيسياً للقردة المخصصة للأبحاث في الولايات المتحدة، قيوداً على الصادرات، الأمر الذي أجبر المختبرات الأمريكية على البحث عن مصادر بديلة.
وقد برزت كمبوديا كموردٍ مهم، إلا أن تحقيقاً فيدرالياً حول مزاعم تتعلق بتهريب قردة جرى اصطيادها من البرية، أدى إلى مزيد من الاضطراب في الإمدادات الموجهة إلى الولايات المتحدة.
ورغم أن توسيع نطاق التربية محلياً قد يساعد في تقليل اعتماد أمريكا على الاستيراد، فإن تحقيق ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها، نظراً لأن أنثى "المكاك" تصل إلى مرحلة النضج الجنسي في سن الرابعة تقريباً، وعادةً ما تلد صغيراً واحداً فقط في السنة.
وأفاد ليمان بأن شركة "سيفر هيومان ميديسن" اقترحت البدء باستيراد ما بين 500 إلى 1000 قرد من فصيلة "المكاك" من مراكز تربية في آسيا، مع التوسع التدريجي في أعدادها لتصل إلى 30 ألف قرد على مدى 20 عاماً.
وقد قوبلت هذه الخطط بمعارضة من جمعيات ومنظمات الدفاع عن حقوق الحيوان. ففي تقرير صدر عام 2025، دعا "معهد رعاية الحيوان" إلى إنهاء التجارة الدولية في قرود "المكاك" طويلة الذيل، مشيراً إلى أنها من الأنواع المهددة بالانقراض. كما أعرب المعهد عن قلقه بشأن توسيع عمليات التربية داخل الولايات المتحدة، مستشهدة بحوادث هروب الحيوانات، وإصابتها، ونفوقها في مرافق قائمة بالفعل داخل البلاد.
ولا تقتصر معارضة توسيع نطاق تربية قرود المكاك في الولايات المتحدة على جماعات الرفق بالحيوان، حيث أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن سكان مدينة "بينبريدج" قد اعترضوا أيضاً على مجمع التربية الذي اقترحت شركة "سيفر هيومان ميديسن" إنشاءه في مدينتهم بتكلفة 396 مليون دولار.
كان المشروع قد حظي في بدايته بدعم قوي من السلطات المحلية. ففي ديسمبر 2023، وافق المسؤولون على تخصيص نحو 200 فدان من الأراضي، وإعفاء المشروع من الضرائب العقارية لمدة عشر سنوات، بالإضافة إلى الموافقة على إصدار سندات مدرة للدخل، تصدرها الإدارات البلدية، تصل قيمتها إلى 300 مليون دولار، وذلك وفقاً لوثائق قضائية. وفي المقابل، تعهدت شركة "سيفر هيومان ميديسن" بتوفير ما يصل إلى 263 فرصة عمل وضخ استثمارات بقيمة 270 مليون دولار في الاقتصاد المحلي، بحسب "هيئة التنمية في بينبريدج ومقاطعة ديكاتور".
غير أن المسؤولين المحليين تراجعوا عن دعمهم بعد شهرين فقط، في ظل تصاعد المعارضة الشعبية. وذكرت لاسي شيبرد، وهي وسيطة عقارية محلية، في تصريح لإذاعة "إن بي آر" أن الجدل الدائر دفع بعض المشترين المحتملين إلى التراجع عن إتمام صفقات شراء عقارات. كما أبدى سكان آخرون مخاوفهم بشأن تأثير المشروع على قيمة المنازل واحتمالية تلوث مصادر المياه المحلية.
ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن أحد السكان المحليين قوله في عام 2024: "إنها كائنات غازية، ووجود 30 ألفاً منها يعني أننا سنصبح محاصرين بالقرود".
وفي الوقت الراهن، تتجه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) نحو مسار مغاير؛ إذ تشجع على استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى للحد من التجارب على الحيوانات، وقد يستغرق هذا التحول سنوات.
كانت تقارير إعلامية قد أفادت في العام الماضي بأن التجارب على الحيوانات لا تزال جزءاً معيارياً من عملية تطوير الأدوية، فعلى سبيل المثال، عادة ما تستغرق دراسات السلامة المتعلقة بالأجسام المضادة الأحادية المستنسخة في المختبر، ما يصل إلى ستة أشهر، وتتضمن في المتوسط حوالي 144 حيواناً من الرئيسيات غير البشرية، بتكلفة تبلغ 50 ألف دولار لكل حيوان.
ومع ذلك، يعتقد بعض المسؤولين التنفيذيين في هذا القطاع أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الاستغناء تماماً عن الحاجة إلى الدراسات التي تجرى على الحيوانات.
ويؤكد رئيس حلول تطوير الأدوية في شركة "سيرتارا"، باتريك سميث: "لقد وصلنا إلى مرحلة لم نعد فيها بحاجة فعلية للقيام بذلك بعد الآن".