ناقشت جلسة «الذكاء الاصطناعي وادعاءات تحقيق الوفرة – دخل ورفاه الجميع.. هل هناك رغبة ومن يدفع الثمن» خلال فعاليات اليوم الثاني لمنتدى القاهرة الثالث «Cairo Forum 2026» التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرته على خلق ثروة غير مسبوقة وتحقيق وفرة في الإنتاج والخدمات، مقابل التحديات المرتبطة بتوزيع هذه المكاسب، ومستقبل الوظائف وإذا أصبحت الآلات قادرة على أداء المزيد من المهام التي يقوم بها البشر حاليًا، ما المستقبل.

وأثارت المناقشات تساؤلات حول آليات توزيع الثروة التي سيولدها الذكاء الاصطناعي في ظل مخاوف من تركز عوائده لدى الشركات المالكة للتكنولوجيا، مقابل تراجع فرص العمل التقليدية واتساع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية.

اقرأ أيضًا: تسرق بياناتك.. نسخ مزيفة من ChatGPT وClaude لمستخدمي ويندوز فما القصة؟

وطرح المتحدثون عددا من التصورات لضمان مشاركة البشر في هذه المكاسب، من بينها إنشاء صناديق ثروة سيادية تستثمر في شركات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية وتعيد جزءًا من عوائدها للمواطنين، إلى جانب منح الأفراد حصصًا في ملكية التكنولوجيا، وتطوير نماذج للذكاء الاصطناعي تعزز القدرات البشرية بدلًا من إحلالها.

وقال الشريك المؤسس بشركة «جوست دايناميكس» أندرو هاولي أن هناك 3 معايير يمكن الاستعانة بها لتقييم مدى نجاح الذكاء الاصطناعي في تحسين حياة البشر، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التقليدية، تشمل القدرة الهيكلية على التأثير خاصة في الأنظمة الحكومية، ومدى توافر الفرص الاقتصادية أمام الأفراد والشركات والدول، ومدى تمتع الإنسان بحرية التعلم والإبداع.

وشدد على أن نجاح الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقاس بحجم ما ينتجه فقط، وإنما بمدى إسهامه في تلبية الاحتياجات الإنسانية وتعزيز قدرة الأفراد على الاختيار والمشاركة، وأن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي سيجعل التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيف أكثر صعوبة، وهو ما سيزيد أهمية حماية المعاملات والخدمات والأنظمة الرقمية.

وأشار إلى أن الأصالة والحرفية البشرية قد تمثلان ميزة تنافسية للمنتجات والخدمات، مستشهدًا بعلامات تجارية عالمية تتجه إلى إبطاء عمليات الإنتاج عمدًا وإضافة مراحل من العمل اليدوي والتدخل البشري، بما يعزز القيمة التي يحصل عليها المستهلك.

ولفت إلى أن قطاع الموسيقى يقدم مثالًا على ذلك، إذ تُرفع يوميًا نحو 80 ألف مقطوعة موسيقية مولدة بالذكاء الاصطناعي باستخدام أدوات مثل «Suno» لكنها لا تحصل إلا على جزء ضئيل من العوائد التي يحصل عليها الفنانون البشريون، بما يعكس استمرار الطلب على الإبداع والتواصل الإنساني الحقيقي.

من جانبها ركزت الدكتورة منى حمدي مستشاري أخلاقيات التكنولوجيا بشركة "aixplain" على البعد الأخلاقي والاقتصادي لتوزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي، موضحة أن التطور التكنولوجي لم يكن نتاج جهود الشركات المطورة وحدها، وإنما شارك فيه مليارات البشر بصورة جماعية من خلال استخدام الإنترنت والتفاعل مع المنتجات الرقمية وتوفير البيانات والمساهمة في تطوير الأدوات والنماذج التكنولوجية عبر الاستخدام المستمر.

وفي سياق مناقشة احتمالات إحلال الذكاء الاصطناعي محل الوظائف، شددت على أن القضية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مسألة اقتصادية تتعلق بفقدان الدخل فقط، وإنما لها أبعاد أخلاقية وإنسانية أوسع، تتصل بمكانة الإنسان وهويته ودوره داخل المجتمع.

من جانبه، قدم مارك أوزان المدير التنفيذي لجنة إعادة ابتكار نظام بريتون وودز، رؤية اقتصادية لتوزيع عوائد الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن التكنولوجيا تمثل فرصة مهمة للدول النامية، ويمكن أن تساعدها على تحقيق قفزات تنموية خلال فترة زمنية أقصر بكثير من المسارات التقليدية.

واستشهد بتقرير للبنك الدولي بعنوان «وعود الذكاء الاصطناعي» مشيرًا إلى أن التطبيقات الجديدة يمكن أن تتيح للدول النامية الوصول إلى خبرات متخصصة في مجالات مثل التشخيص الطبي والتنبؤ بالمحاصيل الزراعية وإدارة المياه وتقييم الجدارة الائتمانية، فضلًا عن إزالة الحواجز اللغوية وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة.

وفيما يتعلق بالدخل الأساسي الشامل، أوضح أن العمل لا يمنح الإنسان دخلًا فقط، وإنما يوفر له أيضًا مكانة ودورًا داخل المجتمع، وبالتالي فإن التحويلات المالية قد تعوض الأجر المفقود، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض الدور الاجتماعي الذي كان يؤديه العامل.

وطرح بدائل تتجاوز فكرة تقديم تحويلات نقدية مباشرة، من بينها مفهوم رأس المال الأساسي الشامل (Universal Basic Capital) الذي يقوم على منح الأفراد حصصًا في ملكية التكنولوجيا الجديدة، بحيث يصبحون شركاء في الأصول التي تحقق العوائد بدلًا من الاكتفاء بالحصول على جزء من أرباحها في صورة مساعدات.

كما أشار إلى مفهوم التأمين على الأجور (Wage Insurance)، الذي يستهدف حماية العاملين خلال انتقالهم إلى وظائف جديدة أو إعادة تأهيلهم للاندماج في سوق العمل بعد التحولات التكنولوجية.

وطرح أوزان فكرة صناديق الثروة السيادية والاستثمار العام باعتبارها إحدى الآليات العملية لتوزيع عوائد الذكاء الاصطناعي، من خلال استثمار الأموال العامة في الشركات العاملة بالمجال ومراكز البيانات والبنية التحتية التكنولوجية، ثم إعادة جزء من العوائد إلى المواطنين.

واستشهد بتجارب دولية، من بينها صندوق ألاسكا الدائم الذي يوزع عوائد سنوية على المقيمين اعتمادًا على إيرادات النفط، وصندوق التقاعد الحكومي النرويجي الذي يستثمر ثروة البلاد النفطية لصالح الأجيال الحالية والمستقبلية، إلى جانب نماذج صناديق التقاعد الأسترالية.

وأكد أن الفكرة يمكن تطبيقها على اقتصاد الذكاء الاصطناعي، عبر امتلاك الصناديق العامة حصصًا في الشركات والأصول التكنولوجية، بما يتيح للمواطنين الاستفادة من العوائد الناتجة عن نمو هذا القطاع.

وأشار إلى أن نجاح هذا النموذج يتطلب تحديدًا واضحًا لمهمة الصندوق، بحيث لا يقتصر دوره على دعم السياسة الصناعية أو تعزيز المكانة الاقتصادية للدولة، وإنما يتضمن التزامًا بإعادة جزء من الأرباح إلى المواطنين.

كما لفت إلى مقترحات أمريكية لإنشاء صندوق ثروة سيادي للذكاء الاصطناعي، واستطلاع رأي أشار إلى تأييد 7 من كل 10 أمريكيين مطالبة شركات الذكاء الاصطناعي بتخصيص نصف أسهمها لصندوق من هذا النوع، فضلًا عن امتلاك صندوق الاستثمارات العامة السعودي حصصًا في شركات تعمل بالمجال.

وشدد على أن توزيع العوائد يتطلب كذلك حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي، والتزامات واضحة بشأن إتاحة التكنولوجيا والقدرات الحاسوبية، وتطوير النظم الضريبية وقياس المكاسب الاقتصادية الفعلية، بما يضمن ألا تقتصر فوائد التكنولوجيا على الشركات والدول المالكة لها.