وتأتي فعالياته قبل انطلاق معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول "أديبك 2026"، بما يعزز الحوار حول الاستثمارات والتقنيات والشراكات اللازمة لإمدادات طاقة آمنة وموثوقة تدعم النمو والتقدم العالمي.

وعلى هامش المجلس، قدّم فيمال كابور، الرئيس التنفيذي لشركة "Honeywell Technologies"، في حديثه إلى "سكاي نيوز عربية"، قراءة لافتة عن أربعة محاور: الأمن في الإمارات، والاستثمار طويل الأمد، ومستقبل التشغيل الذاتي، وأثر الذكاء الاصطناعي في الوظائف.

اقرأ أيضًا: ألتمان: الإمارات الأكثر تطلعاً للمستقبل في الذكاء الاصطناعي

حوار صريح بعد عام من التحولات

وصف كابور مشاركة شركته في نقاشات "ENACT" بأنها "مهمة جداً"، مشيراً إلى أن الأمور "تغيّرت كثيراً على مدار العام الماضي، خاصة بعد الصراع الأخير".

ورأى أن من المهم أن يجتمع قادة الصناعة ليناقشوا بصراحة التحديات التي تواجههم جماعياً والحلول المطروحة، وأن يعملوا معاً لبناء توافق في الآراء بشأن أفضل الخيارات. وأعرب عن إعجابه بقيادة "أدنوك" في تنظيم حدث بحجم "أديبك"، وسعادته بفرصة التواصل مع قادة الصناعة الرئيسيين.

شراكة تجاوزت علاقة المشتري والمورّد

تعمل "هانيويل" مع "أدنوك" منذ عقود في مجالين: توفير التكنولوجيا لبناء بنية التكرير والبتروكيماويات والغاز الطبيعي المسال، ثم توفير أنظمة الأتمتة لتشغيلها بكفاءة. وخلال العامين الماضيين تعزز التعاون حول توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه تكنولوجيا جديدة. وقال كابور إن أفضل طريقة رأها هو والدكتور سلطان الجابر هي العمل التعاوني لإيجاد فرص لتحسين هذه التكنولوجيا. ولا يقتصر ذلك على ما تبنيه "هانيويل" لنشره في منشآت "أدنوك"، بل يشمل أيضاً أفكار "أدنوك" التي تدمجها "هانيويل" باحترافية في منتجاتها. وبذلك انتقلت العلاقة، بحسبه، من "مجرد علاقة مشتري ومورّد" إلى "شراكة أعمق بكثير" تحقق الفائدة للطرفين.

الإمارات: 700 موظف و40 عاماً من الاستثمار

أكد كابور أن الإمارات دولة "في غاية الأهمية" للشركة منذ سنوات عديدة. فلدى "هانيويل" 700 موظف يعملون على الأرض في أبوظبي ودبي، وعملاء كبار لا يقتصرون على "أدنوك"، بل يشملون مطار دبي وغيره الكثير. وقال إن الشركة "ملتزمة تماماً" بالسوق الإماراتية.

وفي ملف الأمن، قال إن البيئة التي خلقتها قيادة البلاد تجعل جميع الموظفين يشعرون بالأمان، وإن أحداً منهم لم يغادر رغم التوترات الأخيرة، معتبراً أن الفضل الكبير يعود إلى القيادة المحلية. أما على صعيد الاستثمار، فتستثمر الشركة في الإمارات منذ 40 عاماً، وتمتلك قدرات قوية في العمليات والتصنيع المحلي، مع خطط لمواصلة النمو والتوسع في المنطقة.

المرونة أولوية الاستثمار الجديدة

عن تغير أولويات الاستثمار بفعل اضطرابات أسواق الطاقة ومخاوف أمن البنية التحتية، قال كابور إن ما ينظر إليه العملاء "حقاً" هو جانب المرونة، أي تقوية البنية التحتية بحيث تستمر العمليات رغم الصراعات. وأوضح أن الاهتمام تحوّل نحو الحفاظ على العمل بكفاءة ودون انقطاع حتى عند وقوع الاضطرابات، وأن "أدنوك" تقوم بعمل ممتاز في هذا الصدد وأن "هانيويل" شريكة لها فيه. وتملك "هانيويل"، بحسبه، قدرات هائلة في إدارة العمليات عن بُعد، وتقنيات مستقلة قادمة بفضل الذكاء الاصطناعي. وشبّه ذلك بالسيارات ذاتية القيادة، قائلاً إنه يمكن تخيّل مصنع يعمل ذاتياً. وتُدرس الاستثمارات الكثيرة اليوم في ضوء الوضع الذي تطور خلال الأشهر الستة الماضية.

الاستقلالية الكاملة: رحلة بخطوات لا قفزة

سُئل كابور عما إذا كان الذكاء الاصطناعي ينتقل من دور المساعد إلى اتخاذ قرارات مستقلة وحل العمليات المعقدة، فأجاب: "ربما"، مرجحاً أن يحدث ذلك "على خطوات". واستعان بمثال السيارات التي انتقلت من ناقل الحركة اليدوي إلى الأوتوماتيكي ثم إلى القيادة شبه الذاتية. وقال إن ما تقدمه الشركة لعملائها حالياً هو حلول تجعل الأنظمة شبه مستقلة، أي أدوات ترفع كفاءة المشغّل والفني والعامل الميداني بدرجة كبيرة، وإن الحاجة إلى استبدالهم "ليست ملحة" بقدر الحاجة إلى استخدام الأدوات لتشغيل المصانع بكفاءة أكبر.

القيمة الأكبر في تقديره هي زيادة الإنتاج بتكلفة أقل، وهو ما يساعد الذكاء الاصطناعي على تحقيقه بصورة أكثر اتساقاً، إذ يقضي على "التفاوت البشري" الذي كان يؤثر على العمل. وعن الوصول إلى الاستقلالية الكاملة، قال: "ليس هناك شعور بالاستعجال"، لأن المشكلة التي تحلها الشركة هي الكفاءة والإنتاجية والقدرة الإنتاجية، وفيها تنمو قدراتها بسرعة كبيرة.

"انقلاب المهارات" بدل إلغاء الوظائف

عن احتمال توظيف الشركات عدداً أقل من الموظفين أو تغيّر المهارات المطلوبة، رأى كابور أن الخيار الثاني "هو الأقرب"، وسمّاه "انقلاب المهارات". واستحضر تجربته الشخصية، فقد بدأ العمل حين لم يكن هناك حاسوب شخصي، وقيل لجيله حينها إنه لن تكون لهم وظائف بسبب ظهور أجهزة الكمبيوتر. وفي كل مرة تظهر تكنولوجيا جديدة، بحسبه، علينا أن نعيد تأهيل أنفسنا ونكتسب مهارات جديدة، وتصبح بعض الأدوار أقل أهمية لأن وظائفها أُتمتت أو تغيّرت.

وفي القطاع الصناعي تحديداً، لا يتعلق الأمر كثيراً بالاستغناء عن الوظائف، بل بإعادة اكتساب المهارات، لأن الذكاء الاصطناعي سيستحوذ على جزء كبير من العمل، فيما سيتعين على البشر اتخاذ قرارات أصعب بناءً على توصياته بشأن الخيارات المتاحة. وحذّر من أن الفشل في إعادة التأهيل سيعني تفويت الفرصة التي تخلقها هذه التكنولوجيا.

أين تتجه الاستثمارات؟

يرى كابور أن الاستثمار يتزايد بوضوح في تكنولوجيا الأتمتة، مدفوعاً بالنقاش المتنامي حول استخدام الذكاء الاصطناعي وتعزيز البنية التحتية لمواجهة تهديدات الأمن السيبراني. وعلى جانب تكنولوجيا المعالجة، تتجه الاستثمارات إلى مزيد من الغاز الطبيعي المسال والبنية التحتية للغاز، وكذلك إلى الوقود المتجدد، وهو مجال تستثمر فيه الإمارات وبقية دول العالم بصورة جيدة.

وأكد أن الطلب على الطاقة سينمو، وهي "حقيقة يدركها الجميع"، وأن مزيج الطاقة يتغير باستمرار، وأن دور الشركة هو تمكين العالم من الحصول على طاقة كافية بالمزيج الذي يتطلع إليه الناس.

فقاعة أم فرصة؟ الصبر قبل الحكم

حين سُئل عن الاستثمارات الهائلة في الذكاء الاصطناعي وما إذا كانت تبني اقتصاداً مستداماً، قال كابور إن الإجابة تختلف بين أنحاء العالم، وإنه ليس خبيراً في التقييمات المالية فلن يعلّق عليها. وأوضح أن القيمة ستتحقق من طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ يجب أولاً بناء البنية التحتية من مراكز بيانات تحتضن نماذج لغوية ضخمة، ثم استخدامها لحل المشكلات في قطاعات منها الصناعة والتعليم والرعاية الصحية. ورأى أن الجزم بوجود استثمار مفرط أو نقص فيه "تكهن" في هذه المرحلة، فنحن في "الأيام الأولى" لتشكيل هذه القدرات ويلزمنا الصبر، على غرار نقاشات الإنترنت قبل 25 عاماً التي سبقت أن أصبح جزءاً من حياتنا.

وعن خطر تجاوز الاستثمار للفرص التجارية الحقيقية، قال إن ذلك ممكن، لكن الأمر نسبي، فربما نحن "متقدمون بـ6 أشهر أو متأخرون بـ6 أشهر". والأهم، في رأيه، سرعة تحويل قوة الذكاء الاصطناعي إلى فوائد اقتصادية للمستهلكين والمجتمع والأنظمة الصناعية، وحين يثبت ذلك سيزول الجدل. وأقرّ بأن عدم اليقين قائم، لكنه وصف التكنولوجيا بأنها "تحويلية" ورأى أن المهمة هي استخلاص قيمتها الكاملة.

المخاطر: المستهلك أولاً والتشريع مطلوب

في ختام حديثه، رأى كابور أن المخاطر تكمن في جعل التكنولوجيا أكثر أماناً في الاستخدام، في ظل جدل حول حالات الاستخدام المتطرفة للذكاء الاصطناعي، لكنه يعتقد أن هذه المخاطر تتصل بالمستهلكين أكثر. أما في الأنظمة الصناعية، كما تبنيها شركات مثل "هانيويل"، فهي تُصمَّم بنيوياً لتكون عالية القدرة وآمنة للغاية. ودعا إلى النظر في وضع تشريعات تنظيمية تستهدف المجتمع الأوسع.