حين يتحول المسرح إلى رسالة تنوير تصل إلى القرى والنجوع، تتجاوز الفنون حدود الترفيه لتصبح وسيلة لبناء الوعي ونشر المعرفة وترسيخ القيم الإيجابية، ومن هنا يأتي مشروع «مسرح المواجهة والتجوال» ليحمل خشبة المسرح إلى المدارس ومراكز الشباب والجامعات، مؤكدًا أن الثقافة حق للجميع، وأن تحقيق العدالة الثقافية يبدأ بوصول الفن إلى المواطن أينما كان.

ومن هذه الرؤية تنطلق أهمية مشروع «مسرح المواجهة والتجوال»، الذي يضع الوصول بالفنون إلى المواطنين في مقدمة أولوياته، ويجعل من المسرح وسيلة لتحقيق العدالة الثقافية، عبر نقل العروض من المراكز الثقافية الكبرى إلى المناطق والقرى التي تحتاج إلى مزيد من الخدمات والأنشطة الثقافية، وتشهد محافظة المنيا، مجموعة من العروض والفعاليات الخاصة بالمشروع، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتنظمها وزارة الثقافة بالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة الفنان هشام عطوة، من خلال عدد من الفعاليات والعروض المسرحية التي تستهدف نشر الوعي وتحقيق العدالة الثقافية في قرى ونجوع مبادرة «حياة كريمة».

اقرأ أيضًا: ملتقى للحرف التراثية وصالون الثقافة الجماهيرية وعروض مهرجان المسرح المدرسي بالسامر وروض الفرج

المسرح في قلب القرى.. الثقافة حق للجميع

تأتي النسخة السابعة لتؤكد أن الوصول بالخدمة الثقافية إلى المواطن يمثل ركيزة أساسية في بناء الإنسان، وأن حق الاستمتاع بالفنون والمعرفة لا ينبغي أن يرتبط بالموقع الجغرافي أو القدرة على الانتقال إلى المدن الكبرى.

ومن هنا، يكتسب المشروع أهمية خاصة، إذ يتجاوز فكرة تقديم العروض المسرحية في أماكن جديدة، إلى إتاحة تجربة ثقافية متكاملة لسكان القرى والنجوع، وخلق حالة من التواصل المباشر بين الفنانين والجمهور، بما يعزز المشاركة المجتمعية ويعيد للمسرح دوره بوصفه مساحة للتعبير والحوار والتنوير.

كما يمثل المشروع أحد المسارات المهمة لتحقيق العدالة الثقافية، من خلال توسيع قاعدة المستفيدين من الأنشطة الفنية، وإتاحة الفرصة أمام الأطفال والشباب والأسر لمشاهدة العروض المسرحية والتفاعل معها، دون تحمل مشقة الانتقال إلى المسارح البعيدة عن أماكن إقامتهم.

الفن سلاح لمواجهة الجهل وبناء الوعي

لا تتوقف رسالة «مسرح المواجهة والتجوال» عند تقديم المتعة الفنية، بل تمتد إلى توظيف المسرح في نشر المعرفة ومناقشة القضايا المجتمعية، وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة والتسامح وقبول الآخر.

فالعرض المسرحي يمتلك قدرة استثنائية على تحويل الأفكار والقضايا إلى مشاهد ومواقف إنسانية حية، تجعل المتلقي شريكًا في التجربة، وتدفعه إلى التفكير والتأمل، وهو ما يمنح الفن دورًا مؤثرًا في تشكيل الوعي، خاصة لدى الأجيال الجديدة.

كما تسهم هذه الفعاليات في تنمية الذائقة الفنية لدى الجمهور، واكتشاف المواهب في المناطق المختلفة، وتشجيع الشباب على الاقتراب من المسرح وممارسة الإبداع، بما يفتح آفاقًا جديدة للمشاركة الثقافية ويعزز حضور الفنون في الحياة اليومية.

«رحلة سنوحي» تجوب خمسة مواقع بالمنيا

وتشهد فعاليات النسخة السابعة تقديم العرض المسرحي «رحلة سنوحي» خلال الفترة من 6 إلى 10 نوفمبر الجاري، في خمس محطات بمحافظة المنيا، تشمل مدارس ومراكز شباب ومؤسسات جامعية، للوصول إلى شرائح متنوعة من الجمهور.

ووفقًا لجدول العروض المعلن، توزعت الفعاليات على النحو التالي: الجمعة 6 نوفمبر: مدرسة إطسا البلد للتعليم الأساسي بمركز سمالوط، في الثانية ظهرًا، السبت 7 نوفمبر: مدرسة المظاهرة القبلية للتعليم الأساسي بمركز أبوقرقاص، في الثانية عشرة ظهرًا، الأحد 8 نوفمبر: مركز شباب المعصرة بمركز ملوي، في الثانية عشرة ظهرًا، الاثنين 9 نوفمبر: جامعة المنيا، في الثانية عشرة ظهرًا، الثلاثاء 10 نوفمبر: كلية البنات بجامعة الأزهر، في الثانية عشرة ظهرًا.

ويعكس اختيار هذه المواقع حرص المشروع على الوصول إلى قطاعات مختلفة من المجتمع، من طلاب المدارس ورواد مراكز الشباب إلى طلاب الجامعات، بما يضمن اتساع دائرة المشاركة والاستفادة من الأنشطة المسرحية.

كما توجه الجهات المنظمة الدعوة إلى أهالي محافظة المنيا بمختلف مراكزها وقراها لمتابعة العروض والمشاركة في هذه التجربة الفنية والثقافية، والاستمتاع بفعاليات تصل إليهم في أماكنهم، في إطار رؤية تستهدف جعل الثقافة جزءًا من حياة المواطنين اليومية.

العدالة الثقافية.. مشروع لبناء الإنسان

إن القيمة الحقيقية لمشروعات التجوال المسرحي لا تكمن فقط في عدد العروض أو الأماكن التي تصل إليها، وإنما في قدرتها على إحداث أثر ثقافي وإنساني ممتد، من خلال توسيع فرص المعرفة، وتعزيز التواصل بين المؤسسات الثقافية والمجتمع، وتقديم الفن باعتباره حقًا متاحًا للجميع.

ومن هنا، يمثل «مسرح المواجهة والتجوال» نموذجًا لتحويل الثقافة من نشاط يرتبط بالمؤسسات والمسارح إلى ممارسة مجتمعية تصل إلى المواطن أينما كان، وتمنحه فرصة المشاركة والتفاعل والإبداع.

فحين يصل المسرح إلى مدرسة في قرية، أو مركز شباب في نجع، أو جامعة في إحدى المحافظات، فإنه يزرع بذرة للمعرفة، ويؤسس لعلاقة جديدة بين الإنسان والفنون، ويؤكد أن بناء الوعي لا يتحقق بالكلمات وحدها، بل يحتاج إلى تجارب حية تلامس العقول والقلوب.