تستعد الحكومة لإطلاق حزمة جديدة من الحوافز للقطاع الصناعي خلال الربع الأول من عام 2027، تستهدف نحو 6 آلاف مصنع، في إطار برنامج تعميق التصنيع المحلي، وسط تساؤلات حول القطاعات الأكثر احتياجًا للدعم، وقدرة هذه الإجراءات على إعادة المصانع المتعثرة إلى الإنتاج، وتحريك عجلة الصناعة المصرية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور ياسر حسين سالم، محاضر بالجامعات الخاصة والدولية، أن جميع القطاعات الصناعية تحتاج إلى الدعم، مشددًا على ضرورة تبني رؤية قائمة على الأولويات، وعدم قصر المساندة على المصانع الكبيرة، لأن الصناعة المصرية تقوم على شبكة مترابطة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، التي يعتمد بعضها على بعض في توفير مستلزمات الإنتاج.
وأوضح أن المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة تمثل جزءًا أساسيًا من بنية الاقتصاد، مشبهًا إياها بكرات الدم الحمراء والبيضاء في جسم الإنسان، بينما يمثل القطاع الخاص القلب الذي يضخ الدم في الدورة الاقتصادية، معتبرًا أن ضعف أي حلقة من هذه المنظومة ينعكس على بقية القطاعات ويؤثر في قدرتها على الإنتاج والاستمرار.
قروض ميسرة لإنقاذ المصانع المتعثرة
وشدد سالم على أهمية توفير تمويل مباشر وميسر للمصانع القائمة والمتعثرة، بما يساعدها على شراء الخامات والآلات وقطع الغيار وتحديث التكنولوجيا، إلى جانب إعادة تشغيل الورش والمزارع والمنشآت الإنتاجية المغلقة، مقترحًا ألا يتجاوز سعر الفائدة على هذه القروض 5%، مع تبسيط شروط الحصول عليها أمام المصانع التي تمتلك أصولًا وآلات وعمالة مؤمّنًا عليها.
وأشار إلى أن بعض المنشآت لا تعاني غياب القدرة الإنتاجية بقدر ما تواجه نقص السيولة وتراجع رأس المال العامل، وهو ما يحول دون شراء مستلزمات التشغيل أو تطوير المعدات، مؤكدًا أن التمويل وحده قد لا يكون كافيًا في بعض الحالات، وأن تحديد سبب التعثر يجب أن يسبق اختيار آلية الإنقاذ المناسبة.
المصانع لا تعمل منفردة.. وسلاسل الإمداد كلمة السر
وضرب الخبير الاقتصادي مثالًا بصناعة المربى، موضحًا أن إنتاج عبوة واحدة يعتمد على مجموعة من الأنشطة، بداية من مزارع الفاكهة ومصانع السكر، مرورًا بمصانع الزجاج والأغطية والكرتون والملصقات، وصولًا إلى شركات النقل والتعبئة والتخزين.
كما أشار إلى أن صناعة الملابس تعتمد على حلقات متعددة تشمل زراعة القطن وإنتاج الأقمشة والصباغة والتجهيز والخياطة، فضلًا عن مصانع الخيوط والأزرار والسوست ومواد التعبئة، لافتًا إلى أن تعطل أي حلقة من هذه السلسلة قد يؤدي إلى توقف مراحل الإنتاج التالية.
وأضاف أن هذا الترابط لا يقتصر على السوق المحلية، بل يظهر أيضًا في صناعة السيارات عالميًا، حيث تتوزع صناعة البطاريات والهياكل والمكونات الكهربائية والإكسسوارات بين دول مختلفة قبل تجميع السيارة في دولة أخرى.
هل تعيد خطة دعم المصانع توطين الصناعة؟
وأكد سالم أن نجاح خطة دعم المصانع وإعادة تشغيل المتعثر منها يمكن أن يسهم في تحسين مناخ الأعمال، وتشجيع المستثمرين على العودة إلى النشاط الصناعي بدلًا من الابتعاد عنه، مشيرًا إلى أن إغلاق المصانع واتجاه بعض أصحابها إلى أنشطة خدمية أقل مخاطرة يعكس حجم التحديات التي تواجه الاستثمار الإنتاجي.
وتستهدف الحكومة إدراج الصناعات ذات الأولوية والصناعات المغذية ضمن الحوافز المنصوص عليها في قانون الاستثمار، إلى جانب تقديم تيسيرات ضريبية وجمركية وتسهيلات مرتبطة بالأراضي والتراخيص، مع ربط الاستفادة من بعض الحوافز بزيادة المكون المحلي.
كما أعلنت الحكومة العمل على منظومة للتعامل مع المصانع المتعثرة، تتضمن تسجيل الحالات ودراسة أسباب التعثر، ثم تحديد مسار التدخل المناسب، سواء بالتمويل أو الدعم الفني أو الشراكة، مع استهداف إعادة إحياء 60% من المصانع التي تواجه تعثرًا ماليًا أو فنيًا خلال الفترة من 2027 إلى 2028.
واختتم سالم رؤيته بالتأكيد على أن دعم الصناعة يجب أن ينطلق من التعامل مع الاقتصاد باعتباره منظومة واحدة متكاملة، لا مجموعة مصانع منفصلة، معتبرًا أن تقوية حلقات الإنتاج الصغيرة والمتوسطة تمثل جزءًا أساسيًا من استعادة قدرة الصناعة المصرية على النمو والمنافسة.

الاستاذ الدكتور / ياسر حسين سالم
محاضر بالجامعات الخاصه والدولية