﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ صدق الله العظيم (الانفطار: 6)
هل يستطيع صانع الذكاء الاصطناعي أن يتنبأ بما ستؤول إليه صنعته؟
أم أن في قلب هذه الأنظمة حداً لا تتجاوزه الدقة مهما اشتدت؟
هذا السؤال الذي طالما دار في نقاشات الفلسفة والتقنية خرج هذه المرة من مختبر حقيقي بإجابة موثقة.
في 5 نوفمبر 2026 نشرت مجلة نيتشر ماشين إنتلجنس دراسة لأندرو لي وبولين غونغ من كلية الفيزياء بجامعة سيدني تقول إن عدم القدرة على التنبؤ بنتائج تدريب الشبكات العصبية العميقة قد لا يكون قصوراً هندسياً نعالجه بمزيد من الضبط، وإنما سمة بنيوية في رياضيات التعلم نفسها.
سؤال الباحثين بسيط في صورته وعميق في معناه، لأن مهندسو الذكاء الاصطناعي اعتادوا أن يعيدوا تدريب الشبكة نفسها بالبيانات نفسها والطريقة نفسها فيحصلوا على نماذج تتصرف بشكل مختلف، وكان التفسير المريح أن الفوضى تأتي من خارج النظام، من ترتيب عرض البيانات أو أخطاء حسابية دقيقة تولدها الأجهزة، لكن ماذا لو أزلنا كل هذا، هل تستقر النتيجة.
الجواب الذي قدمته الدراسة لا، لأنه حتى في بيئة حاسوبية حتمية تماماً، وقد درب الفريق شبكاته على معالجات مركزية ليستبعد كل عشوائية خارجية، ظلت النتائج غير قابلة للتكرار.
ولتفسير هذه الظاهرة استعار الفريق أداة من نظرية الأنظمة الديناميكية، تلك النظرية التي ولدت منذ أكثر من قرن لتصف حركة الأجرام والسوائل والمناخ، وتجد اليوم طريقها إلى قلب أحدث ما صنعت البشرية، فتخيلوا كل نقطة بداية ممكنة للتدريب موضعاً على خريطة شاسعة، ملونة بحسب المصير الذي ستنتهي إليه الشبكة، والمناطق المتصلة ذات اللون الواحد تسمى أحواض جذب، ثم اكتشفوا أن هذه الأحواض ليست متجاورة بحدود واضحة مثل دول على خريطة سياسية، لكنها متشابكة في نسيج كسوري يسميه الرياضيون الأحواض المليئة بالثقوب، حيث تقع كل نقطة تؤدي إلى مصير على مسافة متناهية الصغر من نقاط تؤدي إلى مصير آخر، ومهما كبرت الصورة ظل التشابك قائماً.
وحين رسموا خريطة مصائر التدريب على شبكة تضم أكثر من 4,000,000 نقطة بداية جاءت الصورة على هيئة فراشة بجناحين متداخلين، كأن الرياضيات نفسها ترسم للإنسان أيقونة أزمته.
ولم يقف الباحثون عند الوصف، لكنهم أثبتوا في نموذج نظري مبسط لشبكة من طبقتين كيف تنشأ هذه البنية من عناصر منتشرة في التعلم العميق كله، من تناظرات داخلية في معاملات الشبكة ومن ديناميكيات فوضوية، ثم وسعوا الفكرة إلى شبكات واقعية، وقدموا مقياساً جديداً سموه عدم اليقين الوظيفي، ليقيسوا عدم التكرار لا في المعاملات وحدها، فهو يمتد من سلوك الشبكة المكتسب نفسه، إلى طريقة إجابتها عن المدخلات، وهنا يكمن فرق مهم ينبغي ضبطه..
الدراسة تتكلم عن مرحلة التدريب ومصائرها، لا عن عشوائية إجابات نموذج جاهز يعمل بين أيدينا، وإن كان منطقها يمتد بحذر إلى ما يعنينا جميعاً، فنموذجان خرجا من التدريب نفسه ليسا بالضرورة النموذج نفسه.
أما الأرقام فهي أشد إدهاشاً من الصور، حيث درب الفريق نحو 500,000 شبكة عصبية عبر معماريات ومهمات متنوعة، وفي مثالهم التفصيلي على شبكة للتعرف على الصور وجدوا 1,772 مصيراً مختلفاً للتدريب على خريطة واحدة.
وجاء عدم اليقين في فضاء المعاملات 0.000 بهامش خطأ 0.002، أي أن رفع دقة نقطة البداية لا يحسن قابلية التكرار تحسناً يذكر.
وفي النموذج النظري احتاجوا إلى تدقيق البداية بمقدار 24 مرتبة قدرية لينخفض احتمال المفاجأة إلى النصف.
وقدرت الجامعة في بيانها الصحفي أن تغيير 1 بت، أصغر فارق تستطيع الآلة تسجيله، دفع التدريب إلى مصير مختلف في نحو 48% من الحالات، أما على مستوى السلوك فقد استقر متوسط الاختلاف بين تنبؤات الشبكات المتدربة عند نحو 2.9% مهما دقت البدايات.
وعلى طريقتي في هذا العمود، لا أكتفي بالإدهاش، فهذه دراسة واحدة في مجلة محكمة، والباحثون أنفسهم يصفون إطارهم بأنه مبدأ تنظيمي مرشح لا قانون نهائي، والأدلة متسقة مع هذه الصورة عبر ما اختبروه من معماريات وطرق تدريب من غير أن يعني ذلك إثباتاً شاملاً لكل نظام موجود أو قادم.
كما كشفوا مفاضلة تستحق التأمل، مفادها أن الإعدادات التي تجعل الشبكة تتعلم أفضل هي نفسها التي تجعل نتائجها أصعب على التكرار، وحين أبطأ الباحثون خطوة التعلم غدت النتائج قابلة للإعادة، لكن الشبكات تعلمت بكفاءة أقل، كأن للتعلم العميق ثمناً يدفع من يقيننا به.
وهنا يتصل البحث بما دعوت إليه من قبل، إلى ورقتي البحثية المنشورة عام 2024 عن الدراية بالذكاء الاصطناعي في الصحافة، والتي خلصت إلى أن فهم هذه الأنظمة ومراقبتها أخلاقياً شرط لاستخدامها المسؤول، وأن الشفافية والمساءلة والموثوقية وتعزيز وكالة الإنسان مبادئ لا يصح أن تبقى شعارات، والدراسة الجديدة تضع لهذه المبادئ سبباً رياضياً غير متوقع.
إذا كان تدريب النموذج نفسه يحمل هذا القدر من عدم القابلية للتنبؤ، فالشفافية عن حدود النموذج واختبار تكراره قبل الاعتماد عليه لم يعودا ترفاً تنظيمياً، وإنما هما الوجه العملي للأمانة.
وفي مقال لي هنا بعنوان أسئلة الإنسان وحميمة الآلة، كتبت أن هذه النماذج تحاكي الذكاء من غير أن تملك وعياً أو ضميراً، وأنها أدوات يحدد وعينا بمخاطرها وقدرتنا على ضبط حدود علاقتنا بها ما إذا كانت لنا أم علينا، وأن التكنولوجيا مهما تطورت تظل وسيلة في رحلة الإنسان الطويلة بحثاً عن المعرفة.
وأرى دراسة سيدني تضيف إلى هذا المعنى بُعداً جديداً، وهو أن الآلة التي تفتقر إلى الضمير تحمل أيضاً بذرة عدم ثبات في تكوينها الرياضي، وهو ما يجعل الضمير البشري الحاضر، المدقق والمختبِر والمساءِل، أكثر ضرورة لا أقل.
وأزعم أن في هذا درساً لعصر يتعجل تسليم القرار للآلة، مثلاً حين يستخدم صحفي نموذجاً لتحليل وثائق تحقيق، أو يستخدم طبيب نظاماً يقرأ الأشعة، أو تبني جهة ما قرارها على أداة تقييم آلية، فالذي يجب أن يعرفه الجميع أن نظامين دُربا بالبيانات نفسها قد يختلفان في جزء من تنبؤاتهما، وأن الثقة التي لا تمر باختبار التكرار والتحقق ثقة ناقصة مهما بدت النتيجة مقنعة.
نعطي الآلة من الثقة بقدر ما تثبت، ونحتفظ نحن بالمساءلة والضمير والقرار الأخير، لأن الوكالة البشرية التي تحدثت عنها أطر الذكاء الاصطناعي المسؤول لا تبنى بالنوايا الحسنة، وإنما تبنى بإجراءات تحقق معلنة واختبارات تكرار موثقة وقابلية لتفسير ما تفعله الأنظمة التي نسلمها جزءاً من قرارنا.
وللمفارقة، فإن الدراسة لا تدعو إلى اليأس من الآلة، إنما تدعو إلى تصميمها بتواضع، فالباحثون يقترحون أدوات لقياس هذه الحساسية ويطرحون إعادة هندسة المعماريات لتقليل شروط عدم الاستقرار، وهذا بالضبط ما أراه موقف العقل الرشيد من كل قوة عظيمة، لأن الذي يعرف أن خريطة صنعته مرسومة على هيئة فراشة متشابكة الألوان يبني أنظمته بحذر مختلف، يقيس الحساسية قبل النشر، ويفصح عنها بعده، ويتعامل مع مخرجات كل نموذج باعتبارها نتيجة مسار كان يمكن أن يسلك طريقاً آخر.
وحين أتأمل الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أمام هذه الخريطة أجد صداها يتسع، لأن الغرور هنا ليس أن نصنع، وإنما أن نتوهم أن ما صنعناه دخل في قبضتنا المطلقة، وأن التنبؤ الكامل مكافأة مشروعة لمن دقق في التفاصيل.
فإذا كان الكون قد جعل قوانينه أهبة أن تفاجئ أدق أدواتنا حتى في عوالم صممناها بأيدينا من أول سطر برمجي، فذلك صدى للمعنى لا برهاناً عليه، وتذكيراً بأن التواضع المعرفي ليس موقفاً أخلاقياً نستحسنه فحسب، لكنه أيضاً وصف دقيق لمكان الإنسان في هذا الوجود.
يبقى السؤال الذي أختم به وأنا أنظر إلى فراشة الرياضيات تلك، وأقول لحضراتكم إذا كان أصغر تغيير في البداية قادراً على تغيير المصير كله في أنظمة نصنعها نحن، فمن يراقب بداياتنا نحن، ومن يدقق في البيانات التي نغذي بها عقولنا الاصطناعية، والقيم التي نزرعها فيها دون أن ندري، قبل أن نكتشف أن الفراشة التي في قلب الآلة كانت تحمل صورتنا أكثر مما حسبنا.