تتجه الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، عبر إجراءات تستهدف خفض استهلاك الكهرباء والوقود داخل الجهات الحكومية، وتأجيل التعاقد على مشروعات استثمارية جديدة، في محاولة لتوفير موارد مالية إضافية ومواجهة التداعيات الاقتصادية المحتملة للتوترات الإقليمية.

ووافق مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، يوم 5 نوفمبر 2026، على مشروع قرار بشأن ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية للعام المالي 2026/2027، متضمنًا حزمة من الضوابط التي تمتد آثار بعضها حتى 30 يونيو 2027.

اقرأ أيضًا: اكتشاف من الملاعب اليابانية.. هل يصبح كويزومي هادي مفاجأة هجوم منتخب مصر؟

مشروعات مؤجلة حتى يونيو 2027

تضمنت الإجراءات تأجيل تنفيذ المشروعات الاستثمارية حديثة الإدراج في موازنة العام المالي الحالي، وحظر إبرام أي تعاقدات لتنفيذها، سواء بالأمر المباشر أو من خلال المناقصات العامة، حتى 30 يونيو 2027، ما لم تكن الجهات قد تعاقدت بالفعل على تنفيذها قبل صدور القرار.

كما نصت الضوابط على عدم البدء في مشروعات استثمارية جديدة خلال العام المالي الحالي، مع إعطاء الأولوية لاستكمال المشروعات التي أوشكت على الانتهاء، والمتوقع الانتهاء منها خلال العام المالي 2026/2027، والتركيز على الاحتياجات الاستثمارية الضرورية والملحة.

ولم يشمل التأجيل جميع المشروعات، إذ تضمنت الاستثناءات التكليفات والتوجيهات الرئاسية، ومشروعات المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، وقطاعات الصحة والتعليم قبل الجامعي والداخلية، ومشروعات مياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب المشروعات المرتبطة بالأمن القومي والأمن المائي والغذائي والأمن السيبراني وأمن الطاقة.

إبطاء المشروعات كثيفة استهلاك الوقود

وامتدت الإجراءات إلى المشروعات القومية كثيفة استهلاك الوقود، إذ نص مشروع القرار على إرجاء أو إبطاء تنفيذها بصفة استثنائية لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، مع تقييم الموقف بصورة دورية وإمكانية مد الفترة إذا استمرت الظروف التي استدعت تطبيق الإجراءات.

كما ألزمت الضوابط الجهات المعنية بوضع خطط تنفيذية تستهدف خفض استهلاك هذه المشروعات من الكهرباء بنسبة 20%، ومن الوقود بنسبة 30%.

ويختلف هذا الإجراء عن تأجيل المشروعات الاستثمارية حديثة الإدراج؛ فالأخير يمتد حظر التعاقد بشأنه حتى 30 يونيو 2027، بينما يرتبط إبطاء المشروعات كثيفة استهلاك الوقود بفترة ثلاثة أشهر على الأقل قابلة للتقييم والتمديد.

خفض استهلاك الكهرباء والوقود 20% و30%

على مستوى الجهات الحكومية، تستهدف الخطة خفض استهلاك الكهرباء والإنارة بنسبة 20%، مقارنة بمتوسط الاستهلاك الفعلي خلال الفترة المناظرة من العام المالي السابق، إلى جانب خفض استهلاك الوقود المخصص للمركبات الحكومية بنسبة لا تقل عن 30%.

وشملت الإجراءات أيضًا حظر التعاقد على شراء سيارات الركوب حتى 30 يونيو 2027، وترشيد السفر خارج البلاد وقصره على حالات الضرورة القصوى وفق الضوابط المحددة، إلى جانب تقييد الإنفاق على بعض البنود غير الضرورية.

خبير اقتصادي: ترتيب أولويات الإنفاق ضرورة

وفي تعليقه على ضرورة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، قال المهندس هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، إن الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري يجب أن يتصدر الأولويات، بما يشمل ضبط الإنفاق والحد من الاقتراض وزيادة موارد الدولة.

وأوضح توفيق، أن بعض أوجه الإنفاق الحالية لا تمثل أولوية، مشددًا على ضرورة أن يقتصر الاقتراض على المشروعات القادرة على تحقيق عائد وتغطية تكلفتها، وأن يكون هناك تصور واضح لكيفية سداد التمويلات.

وتدعم هذه الرؤية أهمية التمييز بين المشروعات الضرورية والمشروعات التي يمكن تأجيلها، بحيث لا يؤدي ترشيد الإنفاق إلى تعطيل الاستثمارات الإنتاجية أو تحميل الموازنة التزامات جديدة دون عائد اقتصادي واضح.

وفي سياق الضغوط المرتبطة بالطاقة، حذرت الدكتورة وفاء علي، أستاذة الاقتصاد وخبيرة أسواق الطاقة، من أن أزمة الطاقة العالمية لم تعد مقتصرة على ارتفاع أسعار النفط، بل امتدت إلى تحديات تأمين الإمدادات وتكريرها ونقلها، بما يزيد الضغوط على الاقتصادات المختلفة.

وأوضحت أن هذه التطورات تفرض تحديات على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما يبرز أهمية كفاءة استخدام الوقود والكهرباء وتقليل الهدر.

ما تأثير القرار على الاستثمار؟

تتوقف النتائج الاقتصادية لهذه الإجراءات على قدرة الحكومة على تحقيق وفر فعلي دون تعطيل المشروعات ذات العائد الإنتاجي أو التأثير على فرص العمل ونشاط الشركات المنفذة.

كما تظل معرفة أسماء المشروعات التي ستتأجل، وحجم المخصصات التي سيتم تجميدها، من أبرز التفاصيل المنتظرة، خاصة أن مشروع القرار وضع ضوابط عامة ولم يعلن قائمة نهائية بالمشروعات المستبعدة من التنفيذ.

وتراهن الحكومة على توجيه الموارد المتاحة إلى الأولويات الأكثر إلحاحًا، مع الحفاظ على الخدمات الأساسية والمشروعات المرتبطة بالأمن القومي والإنتاج، في محاولة لتحقيق التوازن بين ضبط الإنفاق واستمرار النشاط الاقتصادي.