"لسه فيه الروح"، تلك كانت العبارة التي تردد صداها داخل أحد معامل التحاليل الطبية بنطاق حي المعادي، عبارة صرخ بها المسعف إبراهيم عاطف بعد أن سارع هو وزميله فني القيادة أيمن رمضان لتلبية نداء استغاثة إسعافية داخل المعمل.
البداية جاءت أثناء انتهاء زوجين من إجراء المتابعة الدورية لحمل الزوجة التي قاربت على إكمال شهرها السادس، زوجان متلهفان للاطمئنان على ذلك الجنين، يُحصيان اليوم تلو الآخر في ترقب لقدوم طفلهما إلى الدنيا، يخططان لما هو قادم، يفاضلان بين الأسماء لانتقاء أحبها لطفلهما المنتظر، ينتقيان ملابس الطفل سويًا ويضعان حسابًا لبرد الشتاء وصقيعه، ولكن ليست كل الخطط تدور وفقًا لأهوائنا، الأم التي لم تكمل شهرها السادس وضعت مولودها داخل معمل التحاليل، لم يقوَ أحد من المتواجدين على مد يد العون للزوجة. المشهد يصعب وصفه أو تخيله، وهنا بزغ رقم الإسعاف بين الحاضرين: "كلموا الإسعاف 123".
اقرأ أيضًا: معهد تيودور بلهارس: الاستخدام المطول للمسكنات قد يؤدي إلى القصور الكلوي المزمن
في أقل من خمس دقائق كان رجال الإسعاف داخل المعمل، وهناك كان المشهد غير مألوف، فما إن وقعت عينا المسعف إبراهيم عاطف على الأم وجنينها الهزيل والحبل السري ما زال يصل بينهما، حتى تيقن أن الأمر جلل. وأثناء انهماك إبراهيم في طمأنة الأم التي أجهشت بالبكاء حزنًا على جنينها، وهي تتوقع ما هو قادم، وأن رحلة جنينها القصيرة للدنيا تكاد أن تنتهي، فحص إبراهيم الجنين، وأعلنها مدوية: “الطفل فيه الروح” .
قطع الحبل السري
قطع إبراهيم الحبل السري بشكل آمن وسليم، وفي تلك اللحظة حضر طبيب نساء وتوليد إلى المعمل وبدأ في الاطمئنان على الأم، وأخذ إبراهيم يجفف الطفل، وهنا أكد الطبيب لإبراهيم أن الوضع الصحي للأم مستقر، وأنه سيلازمها، لكن الجنين يحتاج إلى حضانة بشكل عاجل.
وقبل أن يهرع إبراهيم بالطفل صوب سيارة الإسعاف، أوصته الأم بجنينها، في مشهد تختصر فيه نظرات الخوف والرجاء كل ما تعجز الكلمات عن وصفه.
صوت الأم، ودقة الوضع الصحي لذلك الجنين، وحالة الأب الذي بدأ يستسلم لفكرة استحالة نجاة جنينه، خلقت طاقة أمل كبيرة داخل إبراهيم ترجمها إلى عبارات طمأنة للأب: "متقلقش بإذن الله هيعيش". تلك الطاقة طالت زميل إبراهيم، السائق أيمن رمضان، الذي أشعل فنار سيارة الإسعاف لتنير كورنيش النيل وهي تشق طريقها إلى مستشفى هرمل. تجاوب الناس بشكل استثنائي مع صوت سارينة الإسعاف على طريق الكورنيش؛ كل السيارات كانت تفسح للإسعاف الطريق، وكأن دعوات الأم قد شقت طريقها صوب السماء وجاءت الإجابة.
أمام مستشفى هرمل، أعلنت سيارة الإسعاف وصولها بصرير صوت مكابحها، ليقفز إبراهيم من السيارة حاملًا الجنين، مهرولًا نحو الاستقبال، ومنه إلى الطابق الرابع. لم ينتظر إبراهيم الأسانسير، فقد أطلق لقدميه العنان في ماراثون النجاة والحياة لذلك المسكين الصغير.
بأنفاس متقطعة، أطلع إبراهيم طبيبتين على الوضع الصحي للطفل، وبنفس الحماسة بدأت الطبيبتان في إنقاذ الطفل، وتم إيداعه الحضانة.
وبسجدة شكر للأب، أُسدل الستار على تلك الملحمة الإنسانية، ملحمة سطرها المئات من أبناء مصر، بدأت مع إنسان واعٍ تواصل مع 123، وطبيب نساء غادر عيادته لينقذ حياة سيدة، ومئات المصريين ممن أفسحوا الطريق أمام سيارة الإسعاف ليقتنصوا دقائق غالية لذلك الجنين، وطبيبتين أو ملاكين كانتا على قدر المسؤولية والإنسانية في استجابتهما لنجدة ذلك الطفل، وأخيرًا أبناء الإسعاف المصري إبراهيم وأيمن.