أعتقد أن أحد المصادر، التي تتشكل منها السلبية، هي: البوابات الرقمية، سواء أكانت إعلامية، أو من أنواع التواصل الاجتماعي سريعة الانتشار؛ إذ تضخ سيلًا من التحديات، والأزمات، وتحاول بقصد، أو بغير قصد أن تظهر صورة قاتمة للمشهد؛ ومن ثم يصاب الفرد باليأس، ويشعر بضعف الثقة في كل شيء حوله، وفي نفسه أيضًا، وهنا نتوقع أن نرصد حالة من التراجع في الإنجاز، وفقدانًا للرغبة في العطاء، وقلقًا نصفه بالزائد، وصعوبة في المواجهة لأي تحدٍّ، مهما بلغت درجته، وبالأحرى يعد الانسحاب هو الطريق الآمن بالنسبة للإنسان.
هنا يفقد المرء حالة الشغف تجاه عملية الاندماج المجتمعي بكل صوره، وألوانه، وتصبح الحياة محاطة بسحب من التردد، والخوف من المبادرة، وكل فعل يحمل في طياته تحديات، وصعوبات؛ فيصبح الإنسان عالقًا بين الرغبة في الانطلاق، والخوف من السقوط، ويذوب تدريجيًا من الحماس، ويتحول شغفه إلى حالة من الركود النفسي، والاجتماعي، التي تعوق قدرته على التفاعل، والإبداع، والمساهمة الفعّالة في بناء مجتمع مزدهر، ومتجدّد.
الميول السلوكية السلبية قد تتولد، جرّاء خبرات، وتجارب عاطفية، لاقت فشلًا، وتركت جرحًا غائرًا في وجدان الإنسان؛ فاستشعر حينها العجز التام، ورأى بأمُّ عينه أن الأمور لا تسير في الإطار المستقيم، وأن الغلبة للقوة، والراية بيد من يمتلك مقوّماتها، وأن العواصف جائزة الضعفاء، وللأسف ينظر الفرد، الذي يتخذ الانطواء، أو الانعزال سبيلًا وحيدًا إلى أن المواجهة لا تجدي نفعًا، ولا تعود ثمرتها على أمثاله.
عندما ترى من يوجز في الخطاب، ويقلّ في الطلب؛ فالمستقبل في عينيه ضبابيّ، واللحاق بركب التقدم حلم زائف، وتحقيق الغايات ضرب من المستحيل، ويصبح عالقًا بين الرغبة في التغيير، والخوف من المحاولة؛ فيذوب تدريجيًا في حالة من الجمود النفسي، والاجتماعي، التي تمنعه من المبادرة، والانطلاق، وتثقل على روحه إحساسًا بالعجز، واليأس، الذي يلّون كل تصرف، وكل فكرة، وكل خطوة في طريق الحياة.
أخشى الإذعان بأن السلبية مدمرة في المجتمعات؛ فعبر بوابتها لا تنتظر إنتاجية، ولا تترقب عطاء، ولا حيلة في استثمار طاقات، ولا رجاء في تطلّع إلى مستقبل مشرق، ولا أمل في حافز، يحرّك الوجدان، ويسبر الأذهان، إنها ظاهرة تقوّض الجهود، وتقضي على ما تبقى من عزيمة، وإرادة، وتظلّ تطفو على السلوك الجمعي، مثل غيمة سوداء، تحجب نور الفعل، والإبداع.
باتت معالجة السلبية، أو التصدي لها فرض عين على كافة المؤسسات المعنية ببناء الإنسان، من خلال استراتيجيات، تقوم على تنمية الوعي، وتصوب الفهم الخاطئ، وتخليق مواقف، تعزّز من الإيجابية، وتنقل الفرد من بوتقة العزلة إلى واحة التفاعل؛ حيث يصبح العقل، والقلب مستعدين؛ لاستقبال كل فعل بنّاء، وكل تجربة تثمر، وعندها تتلاشى الرهبة، ويبدأ الإنسان في السير بخطوات ثابتة نحو المستقبل المشرق، المحفوف بالعطاء، والنماء.
فقه الإنسان لمصادر السلبية، وأسباب تغلغلها، يساعده على التشافي، ويخلق في وجدانه الأمل، ويعيد نمطية التفكير في جنبات عقله؛ فيجره حينئذٍ إلى أن البحث عن الحلول مهمة سامية، جعلت البشر يسخّرون الحجر، ويستثمرون الطبيعة من حولهم، وهنا ينبثق الشعور بالمسؤولية نحو كل ما يحيط بالإنسان من عناصر الحياة؛ فتتفتح آفاق الإدراك، ويصبح الوعي أداة؛ لتجاوز المعوقات، وتحويل الطاقة السلبية إلى دافع نحو الفعل البنّاء.
ينبغي ألا نتوقف عند هذا الحدّ من سبل التعاطي مع الانطفاء بل نواصلها من خلال انغماس الفرد في أنشطة مخططة، تستهدف تفريغ الطاقات، وتزيد من حالة الارتباط، أو اللُّحمة بالبيئة المحيطة، وتنمّي الثقة بالنفس؛ فتتحول الخبرات اليومية إلى ممارسة واعية، تعيد للروح حيويتها، وللعقل مرونته، وللجسد نشاطه، ويصير الإنسان قادرًا على المساهمة بفاعلية في صنع عالم أكثر إشراقًا، وتوازنًا.