شهد سعر الدولار مقابل الجنيه المصري تحركات متسارعة خلال الفترة الأخيرة، بعدما اقترب من مستوى 56 جنيهًا، بالتزامن مع رفع البنك المركزي أسعار الفائدة إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، ما أثار تساؤلات حول احتمالات دخول الأسواق المصرية موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه العملة الأمريكية إلى مستويات أقل من 55 جنيهًا خلال تعاملات 8 نوفمبر، يظل السؤال الأهم: هل انتهت الضغوط التي دفعت الدولار إلى الارتفاع، وهل ينعكس تراجعه على أسعار السلع في الأسواق المحلية؟
اقرأ أيضًا: بكام الدولار اليوم في مصر؟ أسعار العملة الأمريكية بالبنوك الأحد 8 نوفمبر
التوترات الإقليمية وراء ارتفاع الدولار
قال الدكتور ياسر حسين سالم، المحاضر بالجامعات الخاصة والدولية، إن تصاعد التوترات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط كان من أبرز العوامل التي ضغطت على الاقتصاد المصري خلال الفترة الماضية، خاصة مع اتساع المواجهات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وتأثيرها على حركة الملاحة وإمدادات الطاقة.
وأوضح سالم أن ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف بشأن حركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب انعكسا على سلاسل الإمداد والتوريد، فضلًا عن التأثير على إيرادات قناة السويس، وهو ما زاد الضغوط على موارد النقد الأجنبي في مصر.
وأشار إلى أن ارتفاع النفط يمثل تحديًا إضافيًا للموازنة العامة، خاصة أن الموازنة المصرية للعام المالي 2026/2027 بُنيت على متوسط سعر تقديري لبرميل البترول يبلغ نحو 75 دولارًا، بينما تجاوزت الأسعار هذا المستوى خلال فترات التصعيد.
وأضاف أن تأثير ارتفاع النفط لا يقتصر على أسعار الوقود، بل يمتد إلى تكاليف النقل والشحن والإنتاج وتوريد الخامات والمنتجات، وهو ما ينعكس على تكلفة السلع والخدمات في السوق المحلية.
لماذا ارتفع الدولار إلى 56 جنيهًا؟
وأوضح الخبير الاقتصادي أن تحركات الدولار ارتبطت بعدة عوامل متزامنة، من بينها زيادة المخاطر الجيوسياسية، والضغوط على تدفقات النقد الأجنبي، وتحركات بعض الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية، إلى جانب الالتزامات الخارجية المستحقة.
وأشار إلى أن ارتفاع سعر الدولار ينعكس على حسابات المنتجين والمستوردين، لأن جزءًا من مدخلات الإنتاج والخامات والسلع يعتمد على الاستيراد، وبالتالي تؤدي زيادة تكلفة العملة الأجنبية إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج، وهو ما يدفع بعض الشركات إلى إعادة تسعير منتجاتها للحفاظ على رأس المال وهوامش التشغيل.
وأكد سالم أن هذه العوامل ساهمت في زيادة الضغوط التضخمية خلال الفترة الماضية، خاصة مع ارتفاع تكلفة الاستيراد والشحن والنقل.
رفع الفائدة وتجديد الوديعة السعودية.. عوامل لدعم الجنيه
وعن قرار البنك المركزي رفع أسعار الفائدة، قال سالم إن هذه الخطوة كانت إجراءً صحيحًا في مواجهة الضغوط التضخمية، موضحًا أن رفع الفائدة يستهدف امتصاص السيولة والحد من الضغوط على الأسعار، فضلًا عن دعم جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المحلية.
وأضاف أن تجديد الوديعة السعودية لدى البنك المركزي المصري يمثل عامل دعم مهمًا للاقتصاد، إلى جانب الاتفاق التمويلي الجديد مع البنك الدولي بقيمة مليار دولار ضمن برنامج تمويل سياسات التنمية.
وأوضح أن هذه التطورات تعزز قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع احتياجاته من النقد الأجنبي ومواجهة الضغوط الخارجية.
هل تنتهي موجة الغلاء مع تراجع الدولار؟
وتوقع سالم أن يؤدي تراجع الدولار واستقرار الأوضاع الإقليمية إلى تخفيف الضغوط على الأسعار خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى أن موجة الارتفاع التي شهدتها الأسواق ارتبطت بصورة كبيرة بالتحركات السريعة في سعر الصرف وتكاليف الاستيراد.
وأضاف أنه يتوقع عودة الاستقرار إلى الأسواق، مع إمكانية حدوث تراجع تدريجي في أسعار بعض السلع إذا استمر انخفاض الدولار وتراجعت تكلفة الاستيراد والشحن.
ولفت إلى أن الاحتياطي النقدي المصري سجل نحو 57.5 مليار دولار بنهاية أكتوبر 2026، معتبرًا أن هذا المستوى يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية وتوفير احتياجات البلاد من النقد الأجنبي.
واختتم سالم حديثه بالتأكيد على أن قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز الضغوط الحالية ترتبط باستمرار تدفقات النقد الأجنبي، واستقرار الأوضاع الإقليمية، وتحسن حركة التجارة والملاحة، إلى جانب الحفاظ على مستويات الاحتياطي النقدي.
